ماذا فقدت الأرض عندما غاب الإنسان؟

المشاهدات: ...

اختفى الناس كما تختفي الأحلام عند الاستيقاظ، ومرَّ الحدث في هدوء يشبه النوم العميق، فانتقل العالم مباشرة إلى حالة سكون شاملة.
اختفى الناس فجأة، وبقيت الأشياء في أماكنها، وبدأ المكان يتعامل مع الغياب كأمر واقع.

حلَّ الصمت في كل ناحية، فاختفى الضجيج الذي اعتادت عليه المدن.
تلاشى صوت المحركات، وخفتت أصوات الآلات، فبرز صوت الريح واضحًا بين البيوت، واستمر صوت البحر منتظمًا كما كان دائمًا.

بدت أنفاس الأرض أعمق، فبدأ الإيقاع العام يتغير.

الزمن يعود إلى طبيعته

تحرر النهار من السرعة المفروضة عليه، فصار الضوء يتحرك بهدوء.
واستعاد الليل سكونه، فانتظمت فترات الظلام دون تدخل.

واصلت الشمس شروقها اليومي، وجاء الغروب عند ميلها المعتاد، فتحركت الكائنات تبعًا للضوء والحرارة.
استمر نمو الأشجار بوتيرته الطبيعية، وجاءت هجرة الطيور في وقتها المعروف، وسقط المطر عند امتلاء الغيوم.

عادت الدورات الطبيعية للعمل كما كانت، فبدأ أثر الإنسان في التراجع.
فقدت الأماكن أسماءها، فتحولت الطرق إلى مسارات، وصارت الميادين مساحات مفتوحة، وأصبحت الخرائط بلا وظيفة.

عاد اتساع الأرض ظاهرًا.

عودة الطبيعة

بدأ نمو النباتات في الشقوق الصغيرة، ثم امتد هذا النمو تدريجيًا.
تشقق الأسفلت مع الوقت، وانحنت الجدران، وانهارت المباني تباعًا.

استعاد الماء مجراه الطبيعي، ففاض في بعض المواضع وانسحب في أخرى، وتكوّنت بيئات جديدة للحياة.
ازداد صفاء الهواء، واتسعت السماء بلونها الأزرق، وظهر الليل بسماء مليئة بالنجوم.

سكون الجمال

تفتحت الزهرة في وقتها، فأدّت دورها في التلقيح.
تلألأت النجوم في مداراتها، واستمر البحر في مدّه وجزره.

عملت الأشياء كما اعتادت، دون توقف للملاحظة أو التأمل.
غاب المعنى المرتبط بالمشاهدة، وبقي النظام الحيوي يعمل بكفاءة.

استقر الصمت كحالة دائمة.

استمرت الأرض في دورانها المنتظم.

عاد التوازن البيئي، وتواصلت الحياة، واستقر الهدوء.

ولكن ماذا فقدت الأرض عندما غاب الإنسان؟

غاب الصوت الذي كان يطرح الأسئلة ويمنح الأشياء أسماءها.
اختفى الكائن الذي كان يربط الطبيعة بالدهشة والمعنى.

فقدت الأرض… روحها!

Scroll to Top