وهم “البداية المؤجلة”: هل نعيش حقاً أم ننتظر انتهاء المشهد؟
فخ “العتبة” الذي نسكنه جميعاً
تخيل معي أنك تقضي حياتك كلها واقفاَ عند العتبة. لا أنت في الخارج حيث بدأت الرحلة، ولا أنت في الداخل حيث تستقر الروح. دعني أصارحك، أنا أيضاً أجد نفسي هناك كثيراً؛ في ذلك الإحساس الغريب بأن كل ما نفعله الآن، من عمل وسعي وتفاصيل، هو مجرد تمهيد لشيء “حقيقي” سيحدث لاحقاً.
نحن نملأ أيامنا بالنشاط، لكننا نؤجل “الإحساس بالوصول”. وكأن هناك صوتاً خفياً يهمس لنا بأن الستار لم يُرفع بعد، وأن المشهد الذي نؤديه الآن ليس إلا “بروفة” أخيرة قبل العرض الكبير. هذا الشعور هو ما يحول حياتنا إلى قاعة انتظار كبرى، رغم أن صفحات عمرنا تمتلئ بالفعل بالأحداث.
هذا المقال لا أكتبه من مقعد التوجيه، بل بروح البحث لا اليقين، تماماً كما شعرتُ وأنا أقرأ كلمات الشاعر سمير حيطاوي. نحن نبحث معاً عن إجابة للسؤال الذي يطاردنا في لحظات الصمت: لماذا نربط طمأنينتنا بشرط لم يتحقق بعد؟
أولاً: ساعتنا الداخلية.. لماذا نشعر دائماً أننا متأخرون عن حياتنا؟
الانتظار في حقيقته ليس موعداً في أجندة المواعيد، بل هو “حالة ذهنية” تسكننا. هو ذلك الشعور بأن هناك فصلاً مفقوداً في روايتنا لم يبدأ بعد، رغم أننا في منتصف الكتاب بالفعل. ولأن مواجهة هذا الفراغ الداخلي صعبة، فنحن نهرب منه إلى الشاشات التي لا تنطفئ.
نحن نغرق في ضجيج الهواتف والخطط الطويلة لأن صمت الانتظار ثقيل جداً ومخيف. الشاشات هي محاولتنا اليائسة لملء ذلك “الفراغ الصغير” الذي يشبه سؤالاً غير مكتمل. نحن ننتظر، لكننا لا نعرف يقيناً ما الذي ننتظره، وهذا هو جوهر القلق المعاصر.
“الانتظار هنا لا يرتبط بموعد محدد. هو حالة داخلية، شعور بأن هناك فصلًا لم يبدأ، رغم أن الصفحات تمتلئ.”
ثانياً: وهم “المعنى الكامل” الذي ينتظرنا في نهاية الطريق
نحن بارعون، بذكاء مثير للشفقة، في إقناع أنفسنا بأن “المعنى” سيأتي لاحقاً. نقول لأنفسنا إن الأمور ستتضح عندما نصل للنتيجة الفلانية، أو عندما نفهم أخيراً لماذا حدث لنا ما حدث. هذا الربط الشرطي يجعل اللحظة الحالية تبدو “ناقصة” دائماً ومجرد عبء نود تجاوزه.
ببساطة، نحن نعتبر الحاضر مجرد جسر نمر عليه لنصل إلى الجوهر. لكن الحقيقة التي نكتشفها متأخراً هي أن الجوهر يتسرب من بين أصابعنا بينما نحن مشغولون بمراقبة الأفق. المعنى ليس جائزة تنتظرك في نهاية السباق، بل هو الخيط الذي تنسجه الآن في انكساراتك قبل نجاحاتك.
ثالثاً: رحلة الانتظار.. من النتائج المادية إلى الفهم العميق
المثير للتأمل هو كيف يتغير شكل ما ننتظره مع مرور الوقت. في البداية، ننتظر نتائج ملموسة: شهادة، وظيفة، أو اعترافاً من الآخرين. ثم ننضج قليلاً، فنبدأ في انتظار “شعور” معين؛ ننتظر أن نشعر بالأمان أو بالرضا الذي طال تأجيله.
لكن في النهاية، نكتشف أننا ننتظر “فهماً أعمق” لما نمر به. يكبر السؤال معنا ليصبح أقل حدة وأكثر عمقاً، ننتظر أن تتصالح أفكارنا مع واقعنا. هذا التطور هو الذي يحول الانتظار من مجرد “تضييع وقت” إلى رحلة وعي تنضج على نار هادئة.
رابعاً: المعنى لا يكتمل.. المعنى يُعاش
أكبر خدعة نمارسها ضد أنفسنا هي انتظار “اكتمال الصورة”. نحن نؤجل السعادة حتى تتضح الرؤية تماماً، متناسين أن الرؤية لا تتضح إلا بالمشي. اللحظة الحالية، بكل ما فيها من نقص وعدم وضوح وزحام، هي المساحة الوحيدة المتاحة لنا للفعل والعيش الحقيقي.
الحياة لا تمنحك المعنى مغلفاً وجاهزاً بعد أن تنتهي من الانتظار. الحقيقة هي أنك بينما تحاول العيش وسط النقص، يتخلق المعنى تلقائياً. الاعتراف بأن الحاضر، رغم قبحه أحياناً، هو كل ما نملك، هو الخطوة الأولى لتوقفنا عن كوننا مجرد “مراقبين” لحياتنا.
“الحياة لا تبدأ بعد اكتمال المعنى، بل يتكوّن المعنى أثناء العيش.”
خامساً: السؤال الذي سيغير طريقة رؤيتك ليومك
عندما نتوقف عن التساؤل الملحّ حول “ماذا ننتظر؟”، يبدأ ثقل الانتظار في التلاشي. ليس من الضروري أن تملك إجابات نهائية لكل مخاوفك، بل يكفي أن ترى هذا السؤال بوضوح دون أن تعلق سعادتك عليه. الصدق الهادئ مع النفس هو الحل.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يرافقك في طريقك للعمل، أو وأنت تحتسي قهوتك، ليس عن الشيء القادم في الغد. السؤال الأهم هو: “ماذا تفعل الآن في هذه اللحظة الانتقالية؟”. كيف تتعامل مع هذا الوقت الذي كنت تعتبره “ضائعاً” في انتظار شيء آخر؟
الخاتمة: دعوة للتصالح مع “الحاضر المكسور”
في النهاية، لن تكتمل الصورة أبداً بالشكل المثالي الذي رسمته في خيالك، وهذا ليس خبراً سيئاً على الإطلاق. التصالح مع “نقص” اللحظة هو المفتاح الوحيد لبدء العيش فعلياً. علينا أن نتوقف عن معاملة حاضرنا كفترة انتظار، وأن ندرك أننا نعيش الآن، لاحقاً هو مجرد وهم.
لقد كُتبت هذه الكلمات بروح البحث، فكلنا عالقون في الانتظار بشكل أو بآخر. لكن الفارق يكمن في قدرتنا على انتزاع المعنى من قلب هذا الترقب.
فكر معي في زحام يومك القادم: إذا كان الانتظار قدراً لا مفر منه، فماذا تنوي أن تفعل بصدق وحب.. “بينما تنتظر”؟