
في وقتٍ لا هو صباح تمامًا ولا مساء خالص، فرش الأب سجادته، واستدار نحو القبلة، كما استدار من قبل آلاف المرات، دون أن يخطر بباله أن هذه المرة ستُكتب.
الأطفال… كانوا هناك، كما كانوا دائمًا، شهودًا بلا قصد، ورواة بلا نية.
وحين انحنى الأب وسجد، هَوَى رأسه إلى الأرض في هدوء العارفين، لكن عينًا صغيرة لم ترَ في السجود إلا ما تراه الأشياء أول مرة.
قال الطفل، وهو يقترب خطوة:
— «إنت وقعت ليه؟»
سؤال كله دهشة، دهشة من لم يتعلم بعد أن بعض الوقوع اختيار.
جاء صوت آخر من خلفه، صوت أخٍ أكبر قليلًا، أقل دهشة، أكثر ثقة:
— «من قوانين الصلاة إنك توقّع نفسك.»
ساد الصمت.
لم يضحك الأب، ولم يغضب، ولم يصحّح.
شيء ما في العبارة استقر في صدره، كأنها ما قيلت إلا له هو.
رفع رأسه من السجود، فبدا له أن السجادة أوسع من الغرفة، وأن الغرفة أوسع من البيت، وأن البيت أوسع من الدنيا.
تذكّر — لأول مرة — أن الإنسان لا يُولد واقفًا، ولا يموت واقفًا، وأن أصدق أوضاعه تلك التي يضع فيها أعلى ما فيه على أدنى ما حوله.
أما الطفل، فمضى يلعب، وقد قال حكمته ومشى،
كالعادة…
وكما يفعل الحكماء دون أن يدروا.