
2023
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف © 2023
قارئ الذكريات
تنويه: هذا الكتاب الإلكتروني مُقدَّم برعاية موقع الشاعر سمير حيطاوي، وقد أُتيح للقرّاء دعمًا للمعرفة وإثراءً للمشهد الأدبي. جميع الحقوق محفوظة للكاتب، وأي إعادة نشر أو اقتباس يكون مع الإشارة إلى المصدر. www.samirhettawy.com
إلى الإنسان… إلى من يحمل في ذاكرته أكثر مما يحتمل، إلى من تداهمه أصوات لم يعشها، وذكريات لم تكن له، فيظن أنه وحده، وهو في الحقيقة مرآة للآخرين. إلى كل من أثقلته الأسئلة، وأرهقه الماضي، وأدرك أن الذاكرة قد تكون نعمة… وقد تكون عبئًا.
<p>مُتواليةُ تساؤلاتٍ تدور في ذهني كُلّما جلستُ بشرفة منزلي مع كوبي المفضل من الشاي تحت جنح الظلام وأضواء لافتات الإعلانات المتقلبة تداعب عيني.</p><p>من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ لماذا لم أكن عدمًا؟ لماذا أُعطيتُ لسانًا؟ لماذا لي عينان؟ لماذا لي عقل؟ لماذا لي ذاكرة؟ ألم يكن من الأفضل أن تمر الأحداث فأنساها كأنها ما كانت؟</p><p>وعند التساؤل الأخير أتوقفُ كثيرًا، ضاحكًا من نفسي؛ لأن ذاكرتي ليست كذاكرة البشر، كل البشر ذاكرتهم تختزن ما حدث معهم، شاهدوه أو سمعوه أو فكّروا فيه، أما أنا فتأتيني ذكرياتٌ لم تكنْ، أحداثٌ لم تحدث في حياتي؛ فهل أنا فاقدٌ للذاكرة؟ أم أنّ لي ذاكرة أناسٍ آخرين؟ هل يُعقل أن أكون شخصًا بأكثر من ذاكرة؟</p><p>سألتُ محرك البحث عن حالتي لعلّ لديه الجواب، بحثت عن «الذاكرة»، عرّفتْها الويكيبيديا بأنها عملية الاحتفاظ بالمعلومات لمدة من الزمن لغرض التأثير على الأفعال المستقبلية، فإذا كنّا لا نستطيع تذكر الأحداث السابقة، فلن نكون قادرين على أن نطور اللغة ولا العلاقات ولا هويتنا الشخصية.</p><p>ولكن لماذا أتذكر ذكريات الآخرين؟</p><p>Error 404 </p><p>لم يعطني محرك البحث جوابًا، وإنما أعطاني أحد أكثر الأخطاء شيوعًا على شبكة الانترنت «لم يتم العثور على الصفحة 404»، وهذا يعني أنه لا يمكن العثور على ما تبحث عنه.</p><p>حاولت البحث في أقرب فكرة «شخص لديه القدرة على…»؛ توالت الاقتراحات «القدرة على رؤية الأشياء التي خلفه».</p><p>بالفعل إنني أرى الأشياء التي خلفي، ولكن خلفي في الزمن لا المكان.</p><p>«القدرة على إحباطنا».</p><p>يا لك من مضحك! أشخاص كُثُر لديهم القدرة على ذلك، وليس شخصًا واحدًا.</p><p>ضيّقتُ نطاق البحث «شخص لديه القدرة على رؤية الماضي».</p><p>نعم هذا ما أريده فالذكريات هي ماضٍ، ربما تكون هذه هي المفردات الأفضل للبحث عما أريد.</p><p>وجدت فيديو عنوانه: «هل يمكن أن نرى الماضي بأعيننا؟ الفيزياء الكونية تقول نعم».</p><p>هذه ضالتي، قد وجدتها، ضغطت زر تشغيل الفيديو.</p><p>«ربما لا تجد إنسانًا لم يتساءل مرة في حياته عن الزمن وأبعاده، وهل يمكن أن يسافر إلى مستقبلٍ مجهول، أو يعود إلى ماضٍ قد فاته دون وعيٍ منه، ومع هذه التساؤلات جرّب الإنسان طرقًا عديدة، وتضاربت النظريات والآراء حول إمكانية التحكم في واحدٍ من أغرب مكونات الحياة، ألا وهو الزمن…».</p><p>هذا يعني أن حلّ لغزي هو الزمن، إنْ أعرف ما هو الزمن أقدر على فهم نفسي، وتحديد ما يجري لي من تجارب تُخيفني أحيانًا وأحيانًا تُصيبني بالشغف.</p><p>واصلت عرض الفيديو إلى أن استوقفتني جملة.</p><p>«…ابتكر العلماء طريقة لقياس المسافات في الفضاء تعرف بالسنة الضوئية، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، فعند النظر لنجم يبعد عن الأرض مائة سنة ضوئية مثلاً، نرى الضوء الذي خرج منه منذ مائة عام، أي أننا نرى الماضي، ماضي هذا النجم…».</p><p>ما هذا؟ إذن كل البشر يرون الماضي، لستُ وحدي، لكنهم يرون ماضي النجوم البعيدة، أما أنا فأرى ماضي الناس الخفي، أو ربما يصطاد عقلي الذكريات الهاربة من عقولهم والتي يريدون التخلص منها؛ هل أنا سلة مهملات الذكريات؟!</p><p>لم أعد قادرًا على مواصلة الفيديو، فقد أوشك الليل أن ينقضي، وباغتني النوم.</p><p>استيقظت في الصباح الباكر وانطلقت إلى البنك وقد تشوهت صورتي الوسيمة التي اعتدت رسمها أمام المرآة كل صباح، وتفرّق شعر رأسي كأن كل شعرة تناصب الأخرى العداء رغم تهذيبي لها بأكثر الأمشاط حدة، ولكن يبدو أن التهذيب لم يجدِ مع هذه الخصلات الطويلة، أو ربما أنها غير مهذبة من الأساس، أو لا تقبل النصيحة، أو ترفض الأوامر، أو تتمرد على رأسي، مثلها مثل أفكاري الغريبة.</p><p>لكن الأفكار تتمرد داخل رأسي باحترامها ولا تخرج إلى العلن؛ إلا إذا أوشى بها ذلك الكائن الطويل القابع على باب كهف الفم يحرسه، المفترض أنه يحرس الفم والجسد كله؛ ولكنه يأبى إلا أن يتعامل مع نفسه على أنه مهاجم.</p><p>كم مرة حاولت أن أقنعه أنه مكلف بحراسة المرمى دون فائدة، يصرّ أن يقود الهجمات بنفسه ولو أنه سكن وسكت لاستراح واستراحت أفكاري واستراحت خصلات شعري الناعمة واستراحت عيني وهدأ بالي ونمت نومًا عميقًا.</p><p>لكنه عنيد يصر في كل يوم أخرج فيه من شقتي أن يخرج هو الآخر من مكمنه ولا يعود إلا بعد أن يكون قد ارتكب عدة فظائع أظل أدفع ثمنها لأيام وربما لسنين وأنا أحاول أن أصلح ما أفسده، علاقات تقطعت بسببه، وأصدقاء تباعدوا، وآخرون أظنهم الآن يتلقون العلاج بمصحة نفسية بسبب تنمره وعباراته وانتقاداته اللاذعة.</p><p>كم مرة أقول له لا شأن لك بالناس، لا تنتقدهم، دعهم وما يريدون، دعهم وما يحلمون، دعهم وما يفعلون، دعهم وما يقولون، دعهم وشأنهم واصمت، إلا أنه ينسحب من لسانه، لا أعرف كيف ينسحب اللسان من لسانه لكن لساني يفعلها، هو ماهر في أشياء كثيرة وربما هذه إحداها.</p><p>معاناة صباحية جديدة، وعلى الرغم مما أعانيه جسديًا من زحام المواصلات، وتطاحن الأجسام في المترو، إلا أن هذه ليست معاناتي الحقيقية؛ بل تلك الأصوات المتلاطمة في عقلي، ذكريات هذه السيدة الستينية التي تتعارك فيها مع والدتها التي توفيت منذ عشرين عامًا لأنها لم توافق على دخولها كُليتها المفضلة، ذكريات هذا الرضيع الذي يسخط على تأخر والدته في إرضاعه بالأمس، ذكريات ذلك الشاب الذي يبحث عن وظيفة كل يوم دون جدوى، ذكريات تلك الفتاة المبتهجة بحصولها على جائزة عالمية ورحلة معاناتها حتى نالتها.</p><p>أصوات متقاطعة ومتضاربة لا أستطيع صرفها ولا وقفها، ولكنني تعوّدتُ على حيلة أفِرُّ بها من هذه الذكريات التي هربت من عقول أصحابها إلى عقلي.</p><p>تعوّدتُ أن أواجه هذه الذكريات التي تقتحم عقلي بهجوم معاكس من ذكرياتي الخاصة؛ فبعد أن ألتقط عدة ذكريات وقصص من الآخرين ويبدأ عقلي في الضجيج، أشرعُ في تذكر بعض المواقف والأحداث التي جرت معي من قبل، فتشكل حائط صدٍّ منيع يحول دون وصول الأصوات إليّ، ولكن ما بات يؤرقني هو أنني لم أعد قادرًا على التمييز بين ذكرياتي وذكريات الآخرين التي استلبها عقلي منهم من قبل، إلاّ أنها حيلة تمنعني من الجنون على كل حال.</p><p>أجلس أخيرًا على مكتبي في البنك وأشرع في خدمة العملاء، أفتح حسابًا لأرملة حتى تتمكن من تحويل معاشها الشهري عليه، أحل مشكلة عميل آخر يريد تفعيل التطبيق البنكي الإلكتروني، أستخرج إفادة برقم الحساب والرقم الدولي لعميل آخر، متجاهلًا ذكرياتهم جميعًا ومحاولًا أن أتعامل بأريحية وبشاشة برغم معاناتي الداخلية.</p><p>ألمحُ رجلًا عجوزًا مقوس الظهر يدخل إلى البنك متكئًا على عصًا، يجرّ قدميه ويسير ببطء، ملامحه حادة، ونظراته مريبة، ينظر في كل اتجاه وكأنه مطارد، يأخذ رقمًا وينتظر دوره، الذي يُلقي به عندي، يستغرق وقتًا حتى يقدر على الوقوف أمام شُباكي، أنظر إليه في رفقٍ وإشفاق، وأتعاون معه ليُنهي ما جاء من أجله سريعًا، إلا أن العجوز لا يذكر ما يريد، ولا يعرف سبب مجيئه للبنك، فيقف محتارًا وقد أسقط في يده، فابتسمت له مخففًا عنه وقلت له بلطف:</p><p>«ديونك يا أفندم، كم ستسحب من رصيدك؟»</p><p>أفلتت الكلمة من بين شفتيّ دون وعي أو إدراك، وكنت قد عاهدتُ نفسي ألا أفشي سرًا مما تطرحه عليّ ذاكرتي الوهمية أو الإضافية، حقيقةً لا أستطيع معرفة طبيعتها حتى اليوم؛ هل هي ذاكرة وهمية تغذيني بمعلومات ومواقف وأشخاص وأحداث لا وجود لهم؟ أم أنها ذاكرة إضافية تأتيني بمعلومة موثوقة من مصادر معتمدة؟ لا أستطيع الجزم.</p><p>أحيانًا أشعر أنني أشبه المنجمين أكذب ولو صدفت أو صدقت، وأحيانًا أشبه العلماء أقول ما أعلم ولا أفتري كذبة واحدة؛ وهذا ما جعلني محتارًا غير قادر على معرفة طبيعة هذه الذاكرة الافتراضية، التي أيضًا لا أعرف إن كانت نعمة لي أو نقمة عليّ، لا أعرف إن كانت مزية أو رزية؛ بيد أن ما أعرفه يقينًا أنها موجودة، ولا بد أن أعرف طبيعتها يومًا ما.</p><p>التفتُّ للعجوز المصعوق من عبارتي كأن الكهرباء سرت في جسده وبات ملزمًا بتركيب عداد دفع إلكتروني؛ وقبل أن يزداد توترًا وعصبية، وقبل أن يلوح بيده، لا أعرف كم من الوقت سيستغرق ليلوح بيده إلاّ أنه سيفعلها في النهاية.</p><p>وربما سقطت عصاه على رأسي أو على الحاجز الزجاجي الذي بيننا؛ كل الشكر لمن وضع هذا الحاجز فربما كانت تلك العصا مستقرة فوق رأسي، ولكن هذا الحاجز لا يحميني تمام الحماية فلو سقطت العصا على الزجاج لحطمته، وحينها سيتناثر الزجاج فوق رأسي ورأس من حولي، ويصيبني ويصيب حتى من يضربني.</p><p>إذن كل اللوم على من قام بتركيب هذا الحاجز الزجاجي، ولكن ربما لم يتخيل هو ما تخيلتُه أنا، ربما لم يكن في حسابه أن أحدهم سيدخل حاملًا عصا يحطم بها الزجاج على رأس الموظف الغلبان.</p><p>على كل حال لم يحدث شيء من هذا كله، هي مجرد تخيلات ومواقف لم تحدث، أجدني أفيق منها على صوت العجوز المتقطع المتهالك المتصاعد؛ حتى إنه يأتي بأعلى طبقة في صوته وهو نفسه لا يكاد يسمع نفسه حتى أسمعه أنا، وبمشقة استطعت تمييز كلماته.</p><p>«كيف عرفت؟»</p><p>اختطفتُ نظرة سريعة إلى شاشة الكمبيوتر.</p><p>«حسابك يا أفندم يكشف عن ذلك بسهولة.»</p><p>إجابة مختلقة ولكنها بدت منطقية وكافية لطمأنة العجوز، الذي تنهد بارتياح ولم يَلْحَظْ أنه لم يُعطِ لي أية بيانات تمكنني من معرفة رصيد الحساب، حتى لمّا طلبتُ منه هذه البيانات بعد ذلك ليتمكن من سحب المبلغ المطلوب لم يلحظ أيضًا.</p><p>قبض العجوز على النقود بقوة لا تتناسب مع حالته الصحية، وكأنه يتكئ على هذه النقود بدلًا من عصاه، قبض عليها وكأنه يقبض على عمره، كأنه يخشى أن تفرّ منه كما فرّ عمره.</p><p>تحرّك كسلحفاة وعيناي عالقتان به في إشفاقٍ، وجدتني منجذبًا إليه وهو يسير تجاه باب الخروج من البنك.</p><p>وبمجرد خروجه من باب البنك سمع الجميع صراخًا وجلبةً بالخارج وصوت احتكاك إطارات سيارة بالأرض نتيجة ضغطة فرامل قوية.</p><p>لا أعرف إن كان الجميع قد سمع أم أنني وحدي الذي سمعت؟ والظاهر أنني وحدي، والظاهر أيضًا أنها ذاكرتي هي التي اجتذبت هذه الأصوات والمعلومات من الخارج، لأن كل من حولي يتعاملون بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث، حتى إنني نتيجة هذا الصمت المخزي رغم وقوع هذا الحادث الأليم لذلك العجوز بادرت بتوجيه اللوم لزملائي.</p><p>ولا أعرف لماذا ألومهم وأنا مثلهم جالس لم أفعل شيئًا ولم أحرك ساكنًا؟ لماذا لا أنهض جاريًا إلى الخارج بحثًا عن هذا العجوز الذي أظنه الآن ممزقًا في الطريق؟</p><p>ما منعني من ذلك إلاّ صوت زميلي حسن الدهشان الساخر كعادته وهو يخاطبني كأنه يكلم مجنونًا:</p><p>«عن أي عجوز تتحدث؟»</p><p>«ما هذه الحماقة؟ العجوز الذي كان واقفًا أمامي وأنهى معاملته معي وخرج لتوّه»</p><p>هزّ حسن رأسه بدهشته المعهودة التي أخذ نصيبه منها من اسمه؛ وسألني مستفسرًا:</p><p>«تقصد العجوز الذي أعطاك العصا؟»</p><p>عن أي شيء يتحدث هذا اللزج؟ ماذا يقصد بأعطاني العصا؟ هل يريد أن يقول إنه ضربني بها؟</p><p>«لم يضربني يا حسن، أتفهم؟! لم يضربني.»</p><p>ضحك اللزج وقال باستفزاز:</p><p>«العصا التي كان يمسكها ولوّح بها في وجهك في غضب»</p><p>هل مجرد تلويحه بالعصا في وجهي يعني أنه ضربني، يا لك من شخص مقيت تصطاد في الماء العكر، تريد أن تضخم الموقف فقط لتسمع ضُحى هذا الكلام فأسقط من نظرها أكثر مما أنا ساقط، تحاملت على نفسي وكظمت غيظي وقلت له بصبرٍ نافد:</p><p>«نعم هو بعينه»</p><p>فضحك ساخرًا متهكمًا مرة أخرى بطبيعته اللزجة وقال بطريقته المقيتة:</p><p>«هذا العجوز كان هنا بالأمس يا عم ناروز، اصحى وصحصح واوعى تنام»</p><p>كأن كوب عصير قصب مثلج قد دخل لحلقي المتصحر في يومٍ حارٍ رطبٍ جافٍ معتدلٍ على الأمعاء الجنوبية شديد الحرارة على الفم واللسان والحلق؛ لا أعرف ما دور عصير القصب في هذا الموقف، ولكنه على كل حال يؤدي الغرض في وصف ما ألمّ بي من فقدان للأحبال الصوتية ولأي قدرة على النطق، فضلًا عن المغص الذي يفرك في أمعائي فَــرْكَ الفلفل الذي يُطحن.</p><p>ولا فائدة من معرفة دور عصير القصب ولا حتى الفلفل المطحون، إذا كنت أنا أصلًا غير قادر على التمييز بين الأحداث التي جرت بالأمس وتلك التي تجري اليوم.</p><p>لقد بدأت أشك أنني أعيش في اليوم من الأساس، وأخشى الآن أن أستدير إلى حسن الدهشان لأسأله عن عبارته التي قالها للتو، فأجده يخبرني بدهشته اللزجة أنه قالها لي بالأمس لا اليوم أو أنها ستكون غدًا أو لن تكون على الإطلاق‼</p><p> يا للحيرة، كيف يجري هذا معي؟ وكيف أعمل في البنك وأنا على هذه الحالة من التركيز المتدني؟</p><p>المتدني‼ بل قل المعدوم، هل أعمل هنا من باب الشفقة؟ لماذا يتحملون شخصًا مثلي؟ ولماذا يتركونني معهم إلى الآن؟ ولكن ما أدراني أنني معهم؟ إنني منذ لحظات كنت أعيش في الأمس ولا أعرف الآن في أي لحظة أعيش.</p>
<p>«وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله</p><p> عليّ بأنواع الهموم ليبتلي»</p><p> </p><p> </p><p>تنهدت وأنا أردد في نفسي شعر امرئ القيس في معلقته، وأكاد أجزم أن هذا البيت ما كُتِب إلا وصفًا لحالتي أنا لا سواي.</p><p>أجتذبُ الكرسي المعتاد وأجلس في شرفة منزلي حيث أجد نفسي كل ليلة، ورغم أن الليل يبتليني بالهموم لأنني وحيد بلا عائلة، أو أصدقاء؛ إلا أنني أفضل ابتلاءات الليل والعزلة على احتكاكات النهار بالبشر التي لا يتولد عنها إلا شرارات حارقة لذكرياتٍ مارقة من أصحابها.</p><p>لذلك لم أرتكب الخطأ التاريخي الذي ارتكبه امرؤ القيس في الأبيات التالية وهو يطلب من الليل أن ينجلي بصبح رغم يقينه أن الصباح لن يطلع عليه بحال أفضل مما هو فيه.</p><p>لن أكرر ذلك الخطأ مرة أخرى بل سأقول: «ألا أيها الليل الطويل ألا طوّل شوية على الصحبة الحلوة ديّ».</p><p>انحشرت كلمة صحبة في حنجرتي ففاقمت فيها غصةً منعتني من التغني مع سيد مكاوي.</p><p>دعني وشأني يا عم سيد، اتركني أرتشف بعضًا من الشاي باستمتاع، الشاي الذي أعده كل ليلة ولا أشربه، ولا أتوقف عن إعداده، كما لا أتوقف عن التساؤل: من أنا؟ </p><p>ولكن هل سأظل كل ليلة أجلس هنا وأتساءل من أنا؟</p><p>أنا «ناروز إبراهيم ناروز إبراهيم»؛ وحسب.</p><p>أسماني أبي على اسم جدي مثلما أسماه أبوه على اسم جده فأصبح اسمي موسيقيًا بترديد كل اسمٍ منه مرتين، أصبَحتْ له رنّة، ولكن لم تصبح له شنّة حتى الآن.</p><p>أنا إنسان؛ نعم إنسان، ربما لا ينطبق هذا الوصف على مكتئبٍ منعزلٍ مثلي، أو ربما أكونُ مادحًا لنفسي بزيادة حين أنسب نفسي للإنسانية؛ إلا أنني حتى الآن لم أرتكب جرمًا أو أسلك مسلكًا يخرجني من نطاق الإنسانية، حتى الآن على الأقل؛ ولست أنوي أن أرتكب أي جريمة أو حتى حماقة في المستقبل، ولا أريد من الدنيا إلا أن تمر من حولي بسلام وتتركني في حالي.</p><p>يقولون عني إنني لا أكذب ولكنني لا أقول الحقيقة، كلامي ليس صحيحًا ولكنه ليس خطأ، مواقفي واضحة ولكنها غير مفهومة.</p><p>يشبهونني بالساعة التي أصاب زر تعديل الوقت فيه عطل وليس بها حجارة، فلا هي تقدم ولا هي تؤخر، وكذلك أنا لا أقدم ولا أؤخر.</p><p>أليس من الأفضل أن يقولوا إنني إنسان محترم ومهذب ولطيف، لا أضايق أحدًا ولا أسب أحدًا ولا أسبب إزعاجًا للجيران.</p><p>ليس لديّ أبناء ليلعبوا فوق رؤوسهم طيلة الليل خبطًا وترزيعًا، حتى ينهال عليّ وعليهم الجيران سبًا، أو حتى تبرمًا مكتومًا.</p><p>ليست لديّ زوجة حتى الآن، ولم أستطع الحصول على واحدة منهن رغم أنهن على قفا من يشيل؛ إلا أن الظاهر أن قفاي واهن لا يتحمل أنثى، أو هو غير مؤهل إلا لتحمل صفعات الأيام والأزمات التي تمر بي كل حين.</p><p>لا أعرف ما هي هذه الأزمات، ولا أعرف ما معنى الأزمة لواحد مثلي أصلًا، إذا كان يعيش في الدنيا بغير أب، ولا أم، ولا زوجة، ولا أولاد، ولا صديق، ولا رفيق، ولا ونيس، ولا أبناءه، ولا أحفاده!</p><p>ولا نشاط غير العمل، ثم ملازمة السرير، أو التأمل في الشرفة تحت ضوء الإعلانات المتقلبة، أو إعداد الشاي.</p><p>لستُ مثقفًا بما فيه الكفاية لأحتسي قهوةً مثل المثقفين الذين لا يملون من ربط الاحتساء بالقهوة رغم أن الفعل الأنسب معها هو التجرع، فقط يهونون مرارتها بمداعبتها بوصف رقيق.</p><p>تسببتُ في مشكلة وصراع حضاري وأزمة فكرية كبيرة عندما أعلنتُ رأيي هذا أمامهم ذات مرة في أحد الصالونات الأدبية التي لم أرتَدْها إلا من أجل «ضُحى».</p><p>نعم؛ ضحى السيد إبراهيم البرطاسي؛ لا تقلق هذا اسمها فقط.</p><p>تجربة الحب أو محاولة الارتباط الوحيدة التي حاولت خوضها، ولا أستطيع أن أخفي أنها فشلت قبل أن تبدأ، فلا أنا بالمؤهل للارتباط، ولا أنا بمن يعرف الحب إليه سبيلًا، خصوصًا بعد فقد أبي وأمي في سن صغيرة.</p><p>لا أعرف في أي سن تحديدًا فقدتهم لكنني لم أرهم ولو مرة واحدة، ولا أعرف أي شيء عنهم، كل ما هنالك أنني ابن لدار رعاية الأطفال الأيتام، هناك أخبروني أن هذا الاسم هو اسمي، وقالوا لي إن أبي أسماني على اسم أبيه، وأنا لا أعرف أبي ولا أعرف أباه.</p><p>على كل حال هذا الاسم يكفيني، طالما أنهم غير موجودين معي حقيقةً فلن تجديني أسماؤهم -حقيقيةً كانت أو مزيفةً- نفعًا، ولن تمنع عني ضرًا.</p><p>المهم أنني لا أعرف الحب ولا يعرفني الحب، كل ما هنالك أنني سعيت وراء ضحى بحثًا عن إكمال خانة فارغة في مكعب حياتي، أو بالأدق بحثًا عن لمبة موفرة تنير لي الجزء المعتم في نفسي.</p><p>تعمل معي في البنك وأراها كل يوم حتى تعلقت بها، ورأيت أنها كل النساء، وأنها ستكون لي وستُكوّنني، وستكون سبب سكوني.</p><p>وبعد عدة محاولات، ومطاردات، تبيّن لي أنها ليست اللمبة المناسبة؛ لأنها تستهلك ألف واط في الدقيقة، تستنزف طاقتي، وتهدر أموالي، وتنير لغيري.</p><p>تحرقُ بنزينًا كثيرًا بدون فائدة، تثرثر وتثرثر كأنها تخشى أن ينتهي الكلام من الدنيا قبل أن تقول كل ما لديها، حتى ظنّتْ أنها من فرط ما تتكلم أصبحت شاعرة أو أديبة أو خواطرية.</p><p>وخواطرية هذه تعني أنها تبث خواطرها للناس، أي ما يخطر ببالها، وهي لا يخطر ببالها شيء إلا وتبثه للناس على الفور، كل ما في خاطرها على لسانها، لدرجة أن كل زملائنا يعلمون كل شيء عن حياتها الخاصة.</p><p>يعرفون إخوتها فردًا فردًا، ويعلمون ما يحدث معهم يوميًا بالتفصيل، ويعرفون لماذا وكيف غضب أخوها بالأمس، وكيف صالحته أختها، وكيف أغضب كلاهما أبناء جيرانهما، وكيف تصالحوا، وما هو الغسيل المنشور على الحبل في هذا الصباح، وما الذي سيتم نشره بعد الغد، ولماذا تأخر نشره، وأين ستخفي الملابس الصيفية من وجه المطر، بصوتٍ شتوي، وأين تخبئ الملابس الشتوية حين يهجم الحر، بصوت صيفي، وماذا أكلوا بالأمس، وماذا يطبخون في الغد، وكيف يستعدون للعيد، وكيف تنظف الشقة وترتبها، وما المعوقات التي تقف في طريق تنظيف الستائر، وما هي الطريقة المثلى لتنظيف الحمام، وترتيب الصالون؛ وهلم جرّا.</p><p>وقد يتعجب البعض من أن يكون هذا حال موظفة بالبنك، نظرًا لما يرونه من ازدحام البنوك عادةً وانشغال موظفيها، غير أن هذا لا ينطبق على فرع البنك الذي نعمل فيه، فلحسن الحظ أو سوئه أنّ فرعنا موجود بمنطقة نائية، ولا يأتيه إلاّ كل تائه حيران، أو من ضلّ الطريق.</p><p>فضلًا عن أنّ الأستاذة ضحى يمكنها أن تباشر أعمالها وتقنع العميل بما تحدثه به، وتحصل منه على موافقةٍ بتفعيل كارت المشتريات رغم رفضه وصلابة رأسه؛ كل هذا وهي تثرثر مع من بجوارها من زملائها أو زميلاتها على السواء.</p><p>واحدة من هذا النوع لن تكون مصدر سكينة، ولا راحة، ولا طمأنينة، وإنما ستكون وبالًا على البيت ومن فيه.</p><p>إن تزوجتُها لا أستبعد أن يقابلني زميل لها في العمل مصادفة فيلومني لأنني أغضبتها بالأمس وتركتها نامت وحدها ونمت في الصالة ويحثني على مصالحتها.</p><p>هي هكذا ولن تكون نتيجة ارتباطي بها إلا هكذا، وهذا هو ما جعلني أحجم عن الارتباط بها، وهذا لا يعني أنها كانت مرحبةً بي.</p><p>في الحقيقة هي لم تعلم أصلًا أنني أفكر في الارتباط بها، إنما كان كل هذا يدور بيني وبين نفسي، فأوقات فراغي كثيرة، وليالي سهري طويلة، والشرفة تحتويني كل ليلة.</p><p>أنظر للسماء فلا أرى إلا أضواء لافتات الإعلانات وهي تومض وتنطفئ وأنا أبثها كل ما بداخلي.</p><p>وأذكر أنني يومًا كتبت رسالة لها مطولة من نوعية الخواطر التي تُصدّعُنا بها يوميًا، لحظة واحدة سأخرجها من درج المكتب وأعود لأقرأها لك.</p><p>ها أنا ذا قد عدت وفي يدي تلك الرسالة الكئيبة الحزينة إليك بها.</p><p>«سأترككِ لأن العيش معكِ في أحلامي أسهل من العيش معكِ في واقعي، سأترككِ لأنني صنعتكِ خيالًا وأحببتكِ خيالًا، سأترككِ وأظل أحلم بكِ لأنه من السهل في أحلامي أن أقطع لسانك وأمنعه من الثرثرة، وفي الواقع لا يمكنني ذلك، ولا يمكن لأحد سواي أن يفعل.</p><p>سأتركك لأنني نسجت الحب خيطًا من هواء حسبته حبلًا متينًا فتشبثت به طويلًا وفى النهاية اكتشفت الحقيقة، وهي أنني لم أكن يومًا متشبثًا بشيء، إنما هو الوهم والظنون والأماني الفارغات.</p><p>سمعتهم يقولون ومن الحب ما قتل فكنت أضحك من قولهم، واليوم لو يعلمون بحالي كم يضحكون منّي، وأنتِ السبب.</p><p>ألا تذكرين عندما دنوتُ منك واضعًا في شنطتك دبلة الخطوبة، على أمل بأن تجديها وتعرفين أنها مني وتكون فاتحة خير.</p><p>وفور خروجك من البنكِ وأنت تسيرين في الطريق العام تكملين ثرثرتك مع فانزاتك على مواقع التواصل الاجتماعي، باغتك أحد اللصوص مستقلًا موتوسيكلًا، وخطف الشنطة من يدك اليسرى وهاتفك من اليُمنى، في واقعة شهيرة، وظهرت صورته بغباء على البث المباشر، فتم القبض عليه في اليوم نفسه.</p><p>ولما رأيتِ الدبلة في قسم الشرطة نفيتِ أن تكونَ تخصّكِ، وضاعت دبلتي.</p><p>لا أعرف أين استقرت؛ أفي يد الحرامي؟ أم حرزًا من أحراز القضية؟ ولكنها ضاعت.</p><p>ألا تذكرين أنني لم أعد إلى البنك بعدها إلا كحطام طائرة سقطت من الفضاء، فعلًا اكتشفت ساعتها أنك فضاء، ولم تكونِي يومًا ذلك البحر الأزرق المتموج الذي يحمل سفينتي الى مرفأ الحب والطمأنينة والاستقرار.</p><p>كنتِ فضاءً مع أول تغيرٍ في حالة الجو وهبوب عاصفة لزجة، أسقطتيني من حساباتك، وقذفتيني من أعلى عليين لأتحطم على صخور أرض الحقيقة القاسية.</p><p>لو كنتِ بحرًا ربما صارعت الموج، على أمل بأن أصل بك إلى الضفة الآمنة من الحب، لكنك لم تكونِي، لذلك لم أكنْ.</p><p>تحولتُ معكِ من شخص مريض بحبك، إلى شخص يحب مرضه بحبك، ثم إلى شخص يكره نفسه، ويكره حبك، ويكره الدنيا.</p><p>قررتُ الرحيل وعند الرحيل علمتيني درسًا مؤلمًا، أن الذي يتجاهلك مرة في مقدرته أن يتجاهلك العمر كله، لذلك حزمت أمتعتي ورحلت».</p><p>كلما أعدتُ قراءة هذه الرسالة أجدني أتهم ضحى بأنها سبب معاناتي، ولا أعرف إن كان هذا صحيحًا، أم أن السبب الحقيقي هو فقدان أمي وأبي قبل أن تنفتح عيني للحياة، وفقدان الحنان والرعاية، والأمومة والأبوة، وعيد الأم وعيد الأب؟</p><p>لا يوجد عيد أب، هكذا يقولون؛ ولكنني مقتنع تمام الاقتناع بأن هذه أكذوبة، ومقتنع تمامًا بأن عيد الأضحى هو عيد الأب والأم معًا في وقت واحد، ففيه فرح الأب بنجاة ابنه من الذبح، وفيه فرح الأم بنجاتها وابنها في وادٍ غير ذي زرع بعد أن ذرعت الجبال صعودًا وهبوطًا. </p><p>عمومًا هذا البحث خارج إطار اختصاصي، لأنني لم يكن لي أبًا ولا أمًا، ولست أبًا لأحد حتى اليوم، ومتأكد أنني لن أكون أمًا كذلك.</p>
<p>أسأل نفسي يوميًا من أنا؟ ولا أدري لماذا أكرر هذا السؤال؟ وما أهمية أن أعرف من أنا أصلًا؟</p><p>ألست أنا أنا فقط وهذا يكفيني؟</p><p>هذه سلبية!</p><p>لتكن سلبية ألا يصفونني بأنني لا أقدم ولا أؤخر.</p><p>ولكن لابد أن أعرف من أنا حتى أعرف ماذا يجب أن أفعل في هذه الحياة.</p><p>وما هي هذه الحياة أصلًا؟ ومن نحن؟ ولماذا نحن موجودون على هذا الكوكب بالذات؟ لماذا لم نوجد في الفضاء الفسيح؟ لماذا نحن محصورون في هذه الأرض ولا نخرج منها؟</p><p>آه لو كنت أعيش في الفضاء!!</p><p>ماذا كنت سأفعل؟</p><p>سأكون كما أنا محصورًا في إمكانياتي وقدراتي؛ إذن، فلأرضى بما أنا فيه فربما ما كنتُ أستطيع أن أؤدي دوري لو كنتُ شمسًا أو قمرًا مثلًا، كل مهمتي خدمة الآخرين، ونفسي ربما لا أراعيها بشيء، بل ربما تمنعني أنانيتي أن أكون نجمًا في السماء، وأن يتم تسخيري لغيري. </p><p>بل أنا بالفعل مُسخرٌ لخدمة آخرين؛ ولكنهم بشر مثلي، يسوقونني كما تساق الشمس والقمر لأضيء لهم حياتهم، يستفيدون مني ثم يلقون لي فُتاتًا في نهاية المطاف.</p><p>ولا يكتفون بإلقائه إليّ في كارت الفيزا بل يعظمونه ويفخمونه ويطلقون عليه لقبًا جميلًا أخاذًا يسمونه «مرتبًا» أو «راتبًا»، كلمة تشعرك بالثقة في أن كل شيء على ما يرام.</p><p>فالمرتب في أصل معناه اللغوي يدل على التراتبية والاستمرارية، وبالتالي يشبع عندك غريزة البقاء وضمان البقاء.</p><p>والمرتب يعني أنه يترتب على عملك فلولا ذلك المجهود الذي تبذله لما منحناك هذا المرتب المترتب على عطائك.</p><p>إلا أنهم لم يفطنوا إلى أن المرتب قد يعطي معنى الارتياب؛ والموظف في هذه الحالة مرتاب في حاضره، قلق على مستقبله، فلا هو جمع فأوعى، ولا هو استقال فاستقل فانتقل لمكانة أعلى، أو خُسفت به الأرض تبعًا لتقلبات السوق، ولا هو اجتهد فترقى في وقت قياسي.</p><p>بل هو صاعد ببطء منظوم، وبقرار محتوم، بتوقيت معلوم، لا يصدر إلا كل حين من الزمان، بعد استيفاء بضع اشتراطات كلها لا تدل على الكفاءة، ولا تستند إلى المهارة، أو التعلم، أو التدرب، أو ترتكن إلى العطاء، أو التفاني في العمل، فهذه أشياء يمكننا أن نمنحك عنها شهادة تقدير في يومٍ ما.</p><p>ربما اليوم الأخير في حياتك الوظيفية، أو اليوم التالي لانتهاء حياتك الدنيوية وبعد تعذيب ورثتك على شبابيك تخليص الأوراق.</p><p>فالمسار الوظيفي هو خط سير فيه الموظف مسير لا مخير، والمجتهد كالمهمل، والناجح كالفاشل، وفي النهاية الكل يترقى في الوقت نفسه وبالقرار ذاته وللأسباب عينها، لا فضل لموظف على آخر، ولا وازع لمن لا ضمير له، ولا دافع لمن لا طموح شخصي عنده.</p><p>وربما منحناك حافزًا براقًا إذا تعبت الليالي وواصلت بها الأيام لتحصل على الماجستير، ويا سلام لو تحصل على الدكتوراه فسنزيد لك ذلك الحافز.</p><p>أما في الحقيقة فربما كلمة حافز هذه فيها نظر؛ والنظر هذا نابع من أن هذا الحافز عبارة عن مبلغ من المال، لا يطعم العيال، ولا يشحن كارت كهرباء لمدة أسبوع، ويكاد لا يكفي المواصلات، أو حتى الاتصالات، ولذلك فتسمية حافز لا تليق به ولا تتناسب مع ما يفعله في نفس من اجتهد للحصول على هذه الدرجات العلمية من إحباط وتثبيط.</p><p>فكل ما يناله من يحصل على هذه الدرجات، ربما لا يتعدى الضيق والغيرة والحقد، الذي يملأ قلوب زملائه عليه، وخشيتهم من تفوقه عليهم، وخوفهم من أن يسبقهم في الفوز بلقب مدير إدارة أو أي منصب مهم، والمكائد والفخاخ التي ينصبونها له وهم يحسبون أنه ينافسهم ولا يعلمون أنه مشغول بنفسه لا يكاد يراهم ولا يرى نفسه.</p><p>لا يرى نفسه إعجابًا فهو متواضع رغم أنفه، ولا يرى نفسه حقيقةً لأنه يحسب أنه مفارق للحياة منذ مدة طويلة.</p><p>وهذا هو حالي مع زملائي في البنك.</p><p>حتى البنك فيه كل هذه التعقيدات والمناكفات والحروب الخفية الخبيثة، أنا لا أريد أكثر من أن أؤدي عملي على نحو يرضيني وينتهي يومي بسلام، وزملائي يظنون أنني آكل في نفسي لكي أتفوق عليهم، أو يحسبون أنني أتفاخر عليهم بالدكتوراه التي أحملها كرهًا ولا أستطيع أن أضعها كرهًا.</p><p>كم تمنيت أن أكون شمسًا، أظن أنني لو كنت شمسًا سواء في مجرتنا أو في مجرة مجاورة لاستمتعت بدوري، لأنني سأكون متيقنًا من أنني أفيد الجميع دون تمييز، أما الآن فأنا أخدم الأقوى والأغنى فحسب.</p><p>لو كنت شمسًا لخدمت الضعيف كما القوي، الشمس أفضل مني، ولذلك سأقتدي بالشمس.</p><p>من الآن فصاعدًا سأكون للجميع، بلا استثناء، سأؤدي دوري وأمنح ضوئي للجميع.</p><p>ما هو ضوئي وما هو دوري؟</p><p>معرفة ضوئي تقودني لمعرفة دوري.</p><p>ربما كان ضوئي هو ما حدث معي في البنك مع العجوز.</p><p>ذاكرتي هي ضوئي‼ ولكنها ليست ذاكرتي، إنها ذاكرة العجوز.</p><p>لا؛ بل ذاكرتي أنا تحمل ذكريات العجوز.</p><p>لا؛ بل إنني أقرأ الأفكار.</p><p>ولكن لو كنت أقرأ الأفكار لما عرفت الشيء الذي لم يكن يتذكره العجوز نفسه، فالعجوز كان ناسيًا أما أنا فتذكرت، وهذا دليل على أنني كنت معه عندما كان يُحمّل بالديون.</p><p>إذن فأنا قارئ الذكريات.</p><p>[يحتاج الضوء لثماني دقائق لقطع المسافة بين الأرض والشمس… أي أن الشمس التي ننظر إليها يوميًا لا نراها في الوقت الحقيقي لكننا نراها وقد مرّ عليها ثماني دقائق، ولهذا وفى وقت الغروب تغرب الشمس بالفعل قبل أن نرى الغروب أي أننا نراها في الماضي…].</p><p>توجهت إلى مطبخي الصغير، ووقفت أراقب الشاي وهو يغلي في البراد كغليان أفكاري في رأسي، ثم عدت مسرعًا إلى الفيديو.</p><p>[… وعند رصد علماء الفلك لأي حدث كوني كانفجار نجمي أو نشأة نجم جديد أو مجموعة شمسية جديدة، فإن هذا الحدث يكون قد تم بالفعل في الماضي، حسب بُعد هذا الحدث عن كوكبنا، لكن كل هذه النظريات العلمية التي تثبت رؤيتنا للماضي عبر التحديق في أماكن بعيدة، هل تمكننا من رؤية ماضينا؟]</p><p>هذا هو المطلوب، هيا أخبروني.</p><p>[الإجابة الخيالية هي نعم‼]</p><p>خيالية؟!</p><p>أحسست بخيبة أمل، وأدركت حينها أنني لن أجد الإجابة على ما يجري معي، على الأقل في هذا الفيديو، لكنني وجدت نفسي مضطرًا لإكماله على أية حال.</p><p>أوشكتُ أن أصبح باحثًا في الفيزياء، بل أُساق إلى ذلك، كم كنت أكره الفيزياء في الثانوية العامة، لذلك هربت منها إلى الأدبي، ثم إلى التجارة، لأعيش الواقع، بعيدًا عن خيال العلماء، ونظرياتهم، وفرضياتهم، والأسئلة التي لا داعي لها، ولا طائل من ورائها، والمسائل التي تُبنى على لا شيء، وتوصل إلى لا شيء.</p><p>لم أكن أدرك أن هذه الفيزياء البغيضة ستعطيني ولو طرفًا من خيطٍ أحيك به ثوب المعرفة، وأصل من خلاله إلى كنه معضلتي، وحقيقة ما يقع لي من أحداث، حتى الآن لم تعطنِ الفيزياء الإجابة الشافية، لكنني سألهث خلفها، حتى أصل لمبتغاي، ولو توقفت حياتي.</p><p>خير لي أن تتوقف حياتي عند هذا الحد على أن أعيش بلا وعي، بلا نور، بلا حقيقة، في ظلامٍ وعَـمَى، امنحيني الجواب أيتها الفيزياء، وأقسم أني سأرد لك اعتبارك وكرامتك التي بعثرتها من قبل.</p><p>[… الإجابة الخيالية هي نعم، فلو كان المراقب ينظر للأرض من كوكب يبعد عنها ألف سنة ضوئية فسوف يرى ماضي الأرض منذ ألف عام، ولو أن أحدًا ما تمكن من صنع مركبة فضائية قادرة على السفر بسرعة أكبر من سرعة الضوء، فسوف يسبق بمركبته الضوء، ليراه ويشاهد الماضي فيمكنه مثلًا السفر لمسافة سبعة آلاف سنة ضوئية ورؤية قدماء المصريين أثناء بناء الأهرامات، أو الصينيين أثناء بناء سور الصين العظيم، أو حتى السفر لبداية القرن الفائت ومشاهدة الحرب العالمية الأولى أو الثانية، لكن المفاجأة أن تطبيق كل هذا عمليًا مستحيل…].</p><p>عند هذه النقطة لا بد أن أتوقف قليلًا، لابد أن أتوتر للحظات، ولابد أن أقضم أظفاري بأسناني، «تطبيق كل هذا عمليًا مستحيل»؛ إذن ما جدواه؟</p><p>مرةً أخرى عادت الفيزياء إلى سابق عهدها معي، مرة أخرى تخذلني، تمنيني ثم تتركني في حيرتي أقضي يومي كله في العمل، وليلي في التأمل والنوم.</p><p>ولماذا لا أخرج للحياة، وأواجه الأحداث؟</p><p>عبارة أواجه الأحداث هذه تعطيني انطباعًا بأنني بطل مغوار، رغم أنني في الحقيقة جبان رعديد، كأن أحدهم قد زرع شريحة في رأسي، ولا يتوقف عن بث المخاوف فيها كل لحظة، حتى أصبحت أخاف من كل شيء، أصبحت أخاف حتى أن أخاف.</p><p>ويمكن ألا تكون هذه الشريحة هي سبب مخاوفي؛ بل من الممكن أن تكون تلك المشاهد المرعبة والفظيعة التي – طبعًا أنت تتوقع أن أكون قد مررت بأحداث حروب وشاهدت جثثًا وأشلاءً ونازحين ومهجّرين وثكالى ومدافع وطائرات أو حتى زلازل وبراكين – توقعك في غير محله؛ لأن المشاهد المرعبة والفظيعة لم أرها إلا في ذلك الجهاز الصغير المسمى موبايل.</p><p>في مقتبل حياتي وفي سن الخامسة كنت أستولي على موبايل مشرفة الدار طوال اليوم، أفتح اليوتيوب، أو أي تطبيق آخر يعرض فيديوهات سريعة.</p><p>وكانت والت ديزني تقوم بالواجب معي ومع أمثالي من الأطفال الصغار ذوي العقول البيضاء المجهزة للتلقي، فلا أشاهد إلا كرتونًا كله ضرب وتخبيط وترزيع، أو قتل وتحريق وتدمير، أو مخلوقات فضائية مزعجة ومرعبة، أو سباقات سيارات عنيفة ومروعة، أو أي مادة ليس فيها إلا الرعب.</p><p>وإنْ لم أشاهد كرتونًا أجدني متسللًا إلى متجر التطبيقات بغير وعي لأقوم بتحميل بعض الألعاب المثيرة، فلا أجد إلا ألعاب القتل والقتال والحرب والدمار، أو ألعاب أخرى غير مثيرة لا أهتم بها، فأقوم بتحميل ألعاب القتال، وطوال اليوم أقاتل وأقاتل.</p><p>وأذكر أنني في سن صغيرة جدًا ربما السادسة، لعبتُ ألعابًا من عينة ببجي<span style=”color: rgb(32, 33, 34);”> (PUBG)،</span> وفورت نايت <span style=”color: rgb(32, 33, 34);”>(Fortnite)</span>.</p><p>ببجي: في بداية كل مباراة يقفز اللاعبون من طائرة بالمظلات على جزيرة دون أن يكون بجعبتهم أية عنصر، وبمجرد هبوطهم، يمكن للاعبين البحث في المباني وغيرها من المواقع للعثور على الأسلحة، والمركبات، وغيرها من المعدات، والتي يتم توزيعها عشوائيًا في جميع أنحاء الخريطة في بداية المباراة، ويصل عدد اللاعبين إلى مائة لاعب، كل منهم يهدف لأن يكون الناجي الأخير!</p><p>الناجي الأخير؛ يعني أن تقتل الجميع حتى تنجو وحدك.</p><p>الآن أتذكر بأسى زميلًا لنا في دار الرعاية تأثر بهذه اللعبة لدرجة شديدة فانتهى به المطاف إلى قتل مشرفة الدار لأنها منعت عنه الموبايل.</p><p>فورت نايت: اسْتَكْشِف العالم الكبير القابل للتدمير حيث لا مكان للعبتين متشابهتين على الإطلاق، تعاون مع الأصدقاء من خلال الركض والتسلق وشق طريقك نحو انتصار ملكي سواء اخترت البناء في باتل رويال أو عدم البناء في وضع بلا بناء.</p><p>استكشف العالم الكبير القابل للتدمير!</p><p>أتساءل عندما أستعيد ذكريات هذه الألعاب وما يشبهها؛ هل كان الهدف منها تدريب عقولنا كأطفال على تدمير العالم بدون أي عناء أو اعتناء؟</p><p>هل كان الهدف من لعبة فورت نايت بهذه التوجيهات أن ينشأ جيلنا محبًا لتدمير العالم بدلًا من تطويره، ولمصلحة من يكون هذا؟</p><p>أعرف أنك ستضحك مني إن قلت لك إنه لمصلحة الشيطان.</p><p>لا مشكلة عندي فقد اعتدت على سخرية الآخرين مني بل وسخريتي من نفسي.</p><p>إلا أن وجهة نظري في هذا الأمر تُحْتَرم، خصوصًا بعد ما نشاهده يوميًا من مشاهد التدمير العالمية بفعل هؤلاء الأطفال الذين كانوا يومًا صغارًا، وربما ما زالوا صغارًا، وربما يبقون صغارًا إلى الأبد، بلا عقول وبلا هوية.</p><p>ما الذي كنا ننتظر أن نجنيه من لعبة ببجي؟ هل كنا ننتظر غير ما جرى من تهتك العلاقات، وحب الذات، وانكفاء كل إنسان على نفسه، ومحاربته الكل من أجل مصلحته، من أجل بقائه، هو وحده، ولا أحد معه؟</p><p>يقاتل الجميع حتى يقضي على الجميع، ثم يبقى هو ليحتفل بالانتصار الكبير، وهو يتناول الدجاج المشوي وحده.</p><p>كيف يمكن أن تكون عقلية ببجي قد أثرت فينا؟ وكيف فعلت بمستقبلنا؟ هل أصبحت الأنانية سمة غالبة؟ هل أصبح كل منا نحن الجيل الذي تربى عليها يقول نفسي نفسي؟</p><p>هل أصبح من السهل علينا أن نُضحي بكل ما نملك وكل من معنا وما معنا لأجل مكافأة تافهة في النهاية؟</p><p>هل نفضل الحفاظ على الدين أو الوطن أو الانتماء؛ أم الانتصار في معارك وهمية لحصد جوائز مزيفة؟</p><p>تم التلاعب بوعينا بنجاح وأنا نتيجة لهذا التلاعب، أنا واحدٌ من هؤلاء الذين تعرضت هويتهم للسحق وإرادتهم للكسر، لا أريد أن أقابل أحدًا، ولا أريد أن أفعل شيئًا، أكتفي بقتال العالم وتدميره في خيالي كل ليلة، وفي النهاية أنام على كوابيس الطفولة، وأستيقظ لأنغمس في واقع مرير أرفضه عدة ساعات ثم أعود مهرولًا إلى منطقة راحتي وأماني في شرفتي.</p><p>والآن أجدني راغبًا في حياة حقيقية تفاعلية تواصلية مع أناس مثلي يشبهونني وأشبههم.</p><p>الآن لابد أن أخرج من قوقعتي، وأن أثقب قشرة البيض لألتمس النور، أن أطل برأسي من تحت صَدَفتي، لأرى إلى أي حـدٍ ستطلعني ذاكرتي على أشياء وأحداث لم أرها من قبل، وهل سأستطيع أن أخدم بها أحدًا كما تفعل الشمس؟</p><p>ولكنْ من الممكن أن أتحول لشخص استغلالي، فأستغلها في السوء، فلست آمَـنُ على نفسي الانحراف.</p><p>وما البديل؟</p><p>أن أجلس في البيت لا أفعل شيئًا! ربما كان هذا أمثل، ولكن أليست الشمس نارًا محرقة، وفي الوقت نفسه تضيء، إنها لو فكرت بطريقتي هذه لحجبت ضوءها عن الجميع، فلتكن الشمس قدوتي.</p><p>سأخرج للدنيا وأرى ماذا سأستفيد وبماذا أفيد، سأجوب الشوارع أبحث عن فاقدي الذاكرة وأذكرهم بذكرياتهم الممتعة، أبحث عمن يظنون أنهم بلا ماضٍ وأطلعهم عليه.</p><p>كل العرافين والمتنبئين يزعمون أنهم يخبرون الناس بالمستقبل، أما أنا فسأخبرهم بالماضي.</p><p>ولكن الإنسان عندما يعلم المستقبل قد يعيش في سعادة، على الأقل ربما يكون قد تخلص من الخوف من المجهول، أما الماضي فالكثيرون يريدون الفرار منه، بل ربما كان فقدُ أحدهم للذاكرة بتخطيطٍ لا واعٍ منه رغبةً في محو ذكرياته المؤلمة، فهل سأعيد للناس آلامهم؟</p><p>ربما للبعض، ولكن معرفة المستقبل أيضًا تؤلم، ماذا لو عرف أحدهم متى وكيف وبأي أرضٍ يموت، كيف تكون حياته؟</p><p>إذن لأنطلق وأرى.</p>
<p>لا أصدق أنني خرجت من قوقعتي، وأنني الآن أجلس على كافتيريا راقية في أحد الشوارع القريبة من بيتي.</p><p>أراقب الداخلين والخارجين، أرمق من يتناول عصيرًا ببطء، وأنظر لمن ينتظر النادل ليمر عليه.</p><p>سأستخدم القدرة العجيبة التي لديّ، سأترقب وأراقب حتى أجد فرصة مناسبة للتدخل باستخدام خاصية قراءة الذكريات.</p><p>عيناي تجوبان المكان بتحفز حتى سقطتا على شخص مهيب يدلف للكافتيريا، يبدو عليه الثراء الفاحش، كما يبدو باطشًا قوي البنية ضخمًا، ويحيط به حارسان شخصيّان.</p><p>طريقة دخوله الكافتيريا لا تنبئ بخير بل تبدو كنذير شؤم، تبدّى ذلك واضحًا في فرار العاملين بالكافتيريا من وجهه، ونظراتهم المذعورة إليه، من يا ترى سيء الحظ الذي سيفتكون به الآن؟</p><p>انقلبت الكافتيريا رأسًا على عقب، حركة دائبة من العاملين فيها لتلبية طلبات «يسري ممدوح؛ رجل الأعمال الشهير، كيف لا تعرفه؟»</p><p>هكذا رد النادل على تساؤلي وهو يكف إصبعه الذي يشير تجاه هذا الـ «يسري ممدوح» في ذعر ويضع أمامي كوبًا من الشاي، ويشدد عليّ بنبرة عطوف صارمة قائلاً:</p><p>«احذر أن تثير حفيظته!!»</p><p>وما الذي يمكن أن يفعله شخص ضعيف مثلي ليثير به حفيظة هذا العتويل؟</p><p>يسري ممدوح! ليس له من اسمه نصيب، فلا يبدو عليه يسرٌ، ولا يبدو أن أحدًا يوجه له مدحًا؛ إلا نفاقًا ورياءً وخوفًا واتقاءً لشره.</p><p>ابتسمت مستهزئا متهكمًا مستهينًا بتحذير النادل، فأنا آخر شخص يمكن أن يغضب منه أمثال هذا العتويل، فلا أنا أزاحمهم أعمالهم، ولا أنا أطمع في أن أفعل ذلك يومًا، فأنا أعيش على هامش الحياة بإرادتي الحرة المستقلة.</p><p>بيد أن العجب يتملكني بشدة من طبيعة هذا الـ «يسري ممدوح» الشهير بالعتويل؛ هو ليس شهيرًا به إلا في رأسي فقط وهذه شهرة كافية بالنسبة لي، ولكن كيف يكون مثل هذا رجل أعمال؟</p><p>نظرتُ نحوه نظرةً خاطفة متحاشيًا أن تلتقي عينانا تجنبًا لشره المتطاير في المكان كله، فلم تَـعُـدْ هذه النظرة إليّ إلاّ وهي محملة بأكوام من الأسى وهي تجيب تساؤلي بأن هذا لا يعدو كونه بلطجيًا.</p><p>وازدادت حيرتي أكثر من هذه السلاسل الذهبية الملتفة حول عنقه وأعناق حارسيه والمنتهية بجمجمة ميّتٍ فارغة، جمجمة تشبه بشدة عقولهم.</p><p>مكان مظلم موحش، أصوات رهيبة تصدر عن شيء خفي، تبث الرعب في نفسي، لم أعد أدري هل ما زلت جالسًا في الكافتيريا أم أنني أمسيت في بئر سحيقة مليئة بالرعب، والخوف، والوحشة، والألم؟</p><p>صرخت صرخة عظيمة، لكنها لم تتجاوز حلقي، بدوت كأنني سأسلم الروح، انزويت في ركن هذا البئر، تتساقط فوقي بعض القطرات، لا أدري أهي ماء أم سائل آخر؟</p><p>شخصت عيناي في الظلام حتى لمعت كأنها سيف يتقلب في ضوء الشمس، وجدتني أقول: «إنه ماءٌ يغلي، أنقذني.»</p><p>تعالى صوتي وأخذت أبكي، فنظر لي كل من في الكافتيريا بتعجب، إلا واحدًا منهم، قام من فوره وتبعه الحارسان، أمسك بتلابيبي، ونظر في عينيّ نظرةً طويلةً متفحصة مخيفة، ثم نطق وكأن صوته حجارة تسقط من جبل: «من أنت؟»</p><p>نظرت له مذعورًا وهو يمكسني بعنف وغلظة وأنا أحاول أن أجيبه فلا يجسر صوتي على مفارقة حلقي، ولا تجرؤ أحبالي الصوتية على الاهتزاز حتّى.</p><p>وفي الحقيقة فإنني لم أكن أعرف نفسي حتى أعرِّفه بنفسي، إن هذا السؤال تحديدًا هو سبب حيرتي، بل إنني لا أدري أبشر أنا أم أنني شيء آخر، ولا أعلم أموجود أنا أم لا؟</p><p>نظرت إليه نظرة مستنكرة، شعرت بعدها ببعض الثقة تتسرب إلى خلاياي، فبددت خوفي سريعًا، وانقلب ذعري ثقة لأجد في نفسي القدرة ولأول مرة على أن أتحدى أحدًا، فأحدّق في عينيه بتحدٍ، وشعرت كأنني سأذوب في يديه، ويبدو أن التحدي والثقة وحدهما لا يكفيان لمجابهة هذه الصخرة الناطقة، شهقت بقوة وصرخت فيه: «سأذوب»</p><p>لم تكد هذه الكلمة تفارق فمي المكلوم إلا ووجدت شفتي يسري العتويل تلتصقان في عنف، وسمعت صوت أسنانه تصطك ببعضها، فأصبحت في يده كأنني لقمة سائغة يوشك على قضمها وابتلاعها وهضمها بدون أي مشقة.</p><p>وبدلًا من أن يأكلني، وهو يقدر على ذلك، تكّلم بلهجة تهديدية توعدية قائلًا بكل القوة والعنف: «انهض واتبعني في صمت»</p><p> تمنيت لو أنه أكلني لكان خيرًا لي، على الأقل سأجد مأوى يواري جسدي في هذه البطن المنتفخة والكرش الدائري الذي يسع من الحبايب أو الحبوب أو الخراف والبقر والأغنام ألوفًا.</p><p>لم أقاوم ومشيت خلفه مسلوب الإرادة، يا لها من نهاية تعسة.</p><p>كنت أود لو انتهيت، لكن لم أكن أظن أن تكون نهايتي بهذا السوء وبهذه السرعة، ما هذا الحظ العاثر، يوم أفكر في الخروج إلى الحياة ومواجهة الأحداث، وأختار مكانًا قريبًا من بيتي وكافتيريا هادئة مطمئنة، إذا بي أقع فريسة في يد عتويلٍ كهذا، كأن القدر ساقه إليّ، وكأن أفكاري ساقتني إليه.</p><p>ركبت معهم السيارة صامتًا مستسلمًا لا أعرف ما الذنب الذي اقترفته.</p><p>وهناك في مكان على أطراف المدينة، مظلمٍ موحش، أدخلوني فيلا بـثّت في نفسي مشاعرَ كئيبة، وأفكارٌ سوداوية تلاطمت في عقلي.</p><p>فيلاّ مقبضة، جدرانها مزركشة ومزخرفة، وإضاءاتها عالية كأنهم لا يدفعون مقابل للكهرباء، ورغم كل هذه الألوان المبهجة والإضاءات الممتعة؛ فإن الكآبة هي الشعور الوحيد الذي يسيطر عليك عندما تدخل أول قدم من قدميك إن كنت من ذوي الاثنين، أو من أقدامك إن كنت من ذوي الأربع، أو بطنك حتى إن كنت زاحفًا، أعتقد أن شعور الكآبة هذا يلازم كل من يدخل إلى هذه الفيلاّ حيوانًا أو حشرةً أو إنسانًا.</p><p>فما بالك إذا كنت تدخلها محمولًا على أعناق بهيمتين سمينتي اللحم شديدتي البأس، ويقودهما بغل متضخم العضلات، دميم المنظر، ضامر الضمير، مضمر الشر، وما شعورك عندما يلقيانك على الأرض ويستدير إليك هذا العتويل ويصرخ فيك بصوت كأنه خوار سائلًا: «كيف عرفت كل هذا؟»</p><p>كيف شعورك وهذا السؤال ينطلق صوبك من فمه مثل طلقة قناص تعرف طريقها جيدًا، فتتلجلج وتتهته كفريسة تحاول الافلات من صيادها الماهر، وقبل أن ترد على سؤاله يتبعه بنداء أخير للسانك قبل أن يقلع من مطار الكذب، كأنه يحذرك من أن تراوغ ويكررها في وجهك مرة أخرى كأنه يفتح في وجهك مدفعًا رشاشًا:</p><p>«كيف عرفت كل هذا أيها الأحمق؟»</p><p>لا أخفيك سرًا لقد التقمت هذه الـسُـبّة ومضغتها وهضمتها، فليس لهذه الكلمة من سبيل سوى جهازي الهضمي، حفاظًا على بقية جسدي، فأنا الآن أقف أمام قاتل بلا قلب.</p><p>ألقاه في بئر سحيقة وصبّ عليه الماء المغلي صبًا، لم يعبأ بصرخاته وتوسلاته إليه أن ينقذه.</p><p>سردتُ هذه الذكريات البغيضة التي رأيتها على مسامعهم، وكلي يقين أن مصيري سيكون كهذه الذكرى المشؤومة التي فرّت من ذاكرة صاحبها العتويل لتطارد شخصًا بائسًا مثلي، شخصًا مبتلى بأشد أنواع الابتلاءات، وأشدها على الإطلاق أنه كلما التقى بإنسان تسربت إلى رأسه ذكريات ذلك الإنسان، ولكن هذه المرة لم تتسرب ذكريات إنسان إنما كائن آخر.</p><p>كائن باطش، مؤذٍ، لا يرحم، ولا يعرف الشفقة، وليس في قلبه مكان للعطف، أو الحنان.</p><p>عن أي حنان أتحدث؟ إن كل ما رأيته من ذكرياته ليس إلا قتلًا وتدميرًا.</p><p>هذا العتويل نموذج مجسم أمام عيني للوجه الآخر لطفل تم تربيته على يد ببجي وفورت نايت وأشباههما.</p><p>فأنا الوجه الأول البائس الحزين المكتئب المنزوي الخائف المرتعب؛ وهو الوجه الآخر بعنفه وصلفه وغروره وغشمه ودماره وقتله وخرابه.</p><p>وها أنا بين يديه، يا لها من مبارزة ممتعة، طرفا النقيض وجهًا لوجه.</p><p>لا بد لواحد منّا أن يبقى ويفنى الآخر، لا بد أن يقضي أحدنا على الآخر حتى تنتهي اللعبة الخبيثة بنهايتها الأخبث المعدة سلفًا.</p><p>ولكن من ينتصر هذه المرة أنا أم هو، الضعيف أم القوي، الخائف أم الجريء، الخير أم الشر؟</p><p>اعذرني لأنني أرى نفسي الخير، وهذه طبيعة الأمور وطبائع البشر، كل واحد يرى أنه على حق والآخرون في ضلال، ولكنني لست منحازًا لنفسي ولا مجاملًا لي، بل أنا الذي أملك الحقيقة المطلقة، بهذا أعتقد ولن يتغير هذا الاعتقاد مطلقًا، وما يحزنني أنني رغم امتلاكي للحق والحقيقة فأنا أضعف من أن أواجه بهما العالم أو أنشرهما فيه، وأكتفي بأن أكون أحد اثنين؛ إما منكمشًا منعزلًا عن العالم، أو ضعيفًا مستضعفًا خاضعًا ذليلًا، كأنني غثاء سيل.</p><p>واليوم أقف في مواجهة هذا العتويل وبات عندي يقين أن مصيري إلى الهلاك، سأنحدر الآن بطريقة بشعة، إلى الهاوية، إن لم يكن لي ردة فعل.</p><p>ضحك يسري العتويل بسخرية لا نظير لها فحسبته قرأ أفكاري، أو استمع لصوت نفسي.</p><p>ضحك ونظر إلى حارسيه اللذين يبدوان بُلهاء برغم قوة بنيتهما الجسدية، وقال لهما في عنف وهو يقبض على رقبتي:</p><p>«لقد قتلته»</p><p>اتسعت حدقتا عيناي وتنافر جفناي، هل يقصد أنه قتلني أنا أم قتل آخر؟ ما هذا هل أنا غبي لهذه الدرجة؟ إنني ما زلت حيًا كما أنا، ومن قال إنني كنت حيًا من قبل؟ ليس وقت فلسفة، إنني أكاد أن أفارق الحياة الآن، لا بد أن أفعل شيئًا، وأي حياة وهل كانت عندي حياة من قبل لأفارقها اليوم؟</p><p>ليفعل ما يشاء، لن أقاوم، سأموت بهدوء ولن أحدث جلبة حتى لا أزعج هذا العتويل، فلا أريد أن أسبب ضيقًا لأحد في آخر لحظات حياتي، مرة أخرى حياتي، أين حياتك أيها الغبي؟!</p><p>انهض وقاوم، لم يكن لك حياة من قبل، الحياة ستأتي بعد، ستأتي الحياة وتستمر وتدوم طويلًا، إلى الأبد، انهض وقاوم.</p><p>لولا أن يسري العتويل أفلت رقبتي من يديه لقمت وقاومت، ولكن ليس له نصيب في أن يواجه عاصفتي وغضبي الساطع.</p><p>وقف العتويل يهتف بعنف وسخرية كأنه في مظاهرة من أجل إنقاذ البطة الأخيرة على كوكب الأرض:</p><p>«لقد قتلته، ومستعد لقتل أي واحد منكم أنتم الثلاثة.»</p><p>نظر الحارسان لبعضهما مذعورين، ورحت أنا أتحسس رقبتي لأتأكد أنها مازالت موجودة فوق هذا الجسد البائس، ثم انفعلتُ انفعالًا شديدًا وحدجت يسري بنظرة قوية، ما لبثتْ أن استنعجَتْ وعادتْ لوضع السكون والانبطاح، فتكلمتُ بأقوى نبرة صوت مؤدبةٍ عندي وسألته:</p><p>«وما شأني أنا؟»</p><p>نظر لي يسري العتويل نظرات ملتهبة يتطاير الشرر منها، فوضعت ذراعي أمام وجهي اتقاء غضبه فقال بخشونة وحزم:</p><p>«لقد أصبحت واحدًا منّا، من اليوم فصاعدًا أنت أحد رجالي، وعليك تنفيذ أوامري وإلا ستلقى المصير نفسه الذي رأيته في أحلامك هذه»</p><p>ثم توجه بالحديث لحارسيه يكلمهما عني ويخبرهما أنني موهوب، وأنني سأفيدهم جدًا، وأنني أستطيع رؤية الماضي، وأنهم بحاجة إلى جهودي، وأمرهما في النهاية أنني إذا خالفت الأوامر فعليهما أن يتخلّصا مني على الفور ومن دون الرجوع إليه.</p><p>ما هذا الحظ؟ أخرج من قوقعتي في هذا اليوم بالذات لأساعد الناس وأفيدهم كما تفعل الشمس لينتهي بي المطاف مساعدًا لمجرم عتيد الإجرام، وبدون رغبة مني ولا إرادة ولا اختيار، بالإكراه، وإذا تمردت عليه يكون مصيري القتل، ودون أن يُصدر هو قرارًا بذلك، فقط أعطاهما صكًا مختومًا على بياض، وهما غبيان للدرجة التي يمكن أن يفتكا بي لو لم أناولهما كوبًا من الماء، يبدو أنني سأعمل عنده نضورجيا لماضي خصومه كما يريد مني، وفي أوقات فراغي سأعمل عند هذين الاثنين كإنسان آلي أناولهما طلباتهما وأنفذ لهما أحلامهما.</p><p>مالَ العتويل برأسه نحوي مقتربًا من أذني حتى كاد يعضها وهو يقول لي بخبث:</p><p>«صحيح أنك موهوب في قراءة الماضي ولكن بعض التفاصيل تفوتك، فلست أنا القاتل بيدي، ولكنهما هما الفاعلان، والمقتول هو مساعدي الثالث الذي حللت أنت مكانه الآن، لقد فكّر أن يفارقني ويعود لحياته الطبيعية، يتزوج وينجب ويموت، فقصّرت عليه المسافات، وجعلتهما يبعثانه للموت مباشرة، احذر مصيره»</p><p>انتصب يسري واقفًا، وقال لي بلهجة آمرة:</p><p>«والآن ستنفّذ كل ما أقوله لك بدون نقاش أو تردد، وعاقبة التردد الموت. اسمع جيدًا لديّ مهمة أخيرة أنفذها هنا، ويبدو أنك ستكون السبب في تمكيني من إتمامها، فحياتي أنا الآخر رهينة بإنجاز هذه المهمة.»</p><p>ثم جلس إلى جواري متوددًا وبدأ يشرح بلهجة ودية قائلًا:</p><p>«توجد خريطة أثرية تتضمن معلومات خطيرة عن كشف أثري فريد، هذه الخريطة اكتشفت أول أمس بواسطة عالم الآثار الشهير فؤاد الحداد، والمفترض أنها بحوزته أو هو الوحيد الذي يعرف مكانها.»</p><p>قاطعته؛ فقد جرّأني ودُّه على مقاطعته وسؤاله ببعض الشجاعة المفتعلة:</p><p>«وما دوري أنا؟ ماذا تريدني أن أفعل إذا كنت تعرف مكان الخريطة ومن يحوزها؟»</p><p>أجابني بأنه لا يعرف مكانها، وأن كل ما يعرفه هو مكان فؤاد الحداد فقط، وأن هذين الغبيان أرسلاه للمستشفى.</p><p>«صدماه بالسيارة وهو خارج من البنك الذي تعمل فيه يا ناروز»</p><p>ناروز! كيف عرف اسمي؟</p><p>البنك! كيف عرف وظيفتي؟</p><p>هل أصبحت شهيرًا لهذه الدرجة؟ إنني لا أعرفني حتى يعرفني الناس، وإنْ عرفني أحدهم فلا يمكن أن يكون هذا الكائن واحدًا ممن يعرفونني، لم أجسر على أن أسأله عن كيفية معرفته اسمي ووظيفتي، واكتفيت بهز رأسي في رتابة لأشعره بالاطمئنان وبأنني أتابع حديثه باهتمام.</p><p>«صدماه بالسيارة ونزلا يفتشان جيوبه أمام المارة زاعمين أنهما يبحثان فيها عن هويته ليبلغا أهله بالحادث، وبالطبع لم يجدا شيئًا في سترته، هذان الغبيان كانا يظنان أنه سيحتفظ بالخريطة معه وهو يسير بالشوارع، وبدلًا من أن يجلبا لي منه الخريطة جلبا لي المتاعب، ولك أنت أيضًا»</p><p>قاطعته مستغربًا:</p><p>«ولي؟ وما شأني بهذا؟ أقصد كيف يمكنني أن أساعدك؟»</p><p>أجابني بأن موهبتي الجميلة جاءت له في الوقت المناسب، لقد فقد الدكتور فؤاد الحداد ذاكرته، ودوري الآن أن أتعرف إليه وأتقرب منه وأقرأ ماضيه وذكرياته حتى أعرف أين توجد الخريطة وأخبره بمكانها وأقبض مليون دولار.</p><p>أخفيت انزعاجي من لهجته المقززة التي نطق بها الكلمة الأخيرة، والتي أشعرتني بأنه يعاملني كشخص بائس فقير له سعر يباع به ويشترى، ولكنني قلت له بسعادة زائفة:</p><p>«كنت أتمنى أن يكون هذا المبلغ من نصيبي ولكن الأمر ليس بيدي، فأنت تقول إنه فقد الذاكرة فكيف سأقرأ محتويات ذاكرته هذه إذا كانت قد فُقدت؟»</p><p>«سؤال ذكي وتهرب أذكى، يبدو أنك نسيت أن عاقبة التردد الموت؛ فما بالك بالمراوغة؟»</p><p>ارتبكت وأحسست بالتوتر يغزو مفاصلي، فسألني العتويل في ثورة:</p><p>«وكيف عرفت ذكرياتي التي كنت أنا ناسيها؟»</p><p>«ولكنها موجودة أما ذكريات الدكتور فؤاد مفقودة»</p><p>«ناروز!!»</p><p>صاح يسري باسمي الذي كدت أنساه في غضب وعنف فارتج جسدي كله وتصلبت أعضائي، وانغلقت عيناي تأهبًا لضربة تهوي على رأسي، لكن لكمة يسري ارتطمت عمدًا بذراع الكرسي فكسرته، وفتحت عيني ببطء فهالني المنظر، وأدركت أنني فأر في مصيدة محكمة، ولا فكاك منها إلا بالإذعان لأوامره، وربما لا فكاك منها أبدًا، فقلت بصوت مرتجف متشبع بالاستسلام وبلهجة يبرز الصدق منها:</p><p>«صدقني لست أعرف كيف أدخل إلى الذكريات، على الأقل حتى الآن، فلقد اعتدت أنها هي التي تطاردني، ولكنني سأحاول جاهدًا أن أعرف مكان هذه الخريطة، وأية معلومة تظهر لي سأبلغك بها، ولكن أرجوك دعني ولا تلاحقني حتى أتمكن من ذلك.»</p><p>«موافق، سأتركك أسبوعًا تتعرف إليه، وتبلغني بالنتيجة، ولكن أية مخالفة لهذا الاتفاق ستدفع ثمنها فورًا، ولا تظن أنك بعيد عني.»</p><p>هـززت رأسي متفهمًا ومحاولًا أن أبدو كأحد رجاله البلهاء، ثم غادرت الفيلاّ في هدوء كأنني أفيق من حلم، وتهاديت في الطريق، والأراضي المنزرعة تحيط بي، وعبق الفاكهة يزكم أنفي، فالتقطّ مخي هذا العبق وفسره على أنه رائحة كريهة بغيضة كبغضي للفيلا وساكنيها.</p><p>شرفتي كما هي لم تتغير ماكثة في مكانها تنتظرني، ولكنني أنا الذي تغيرت.</p>
<p>نفّذت ما طلبه مني يسري ممدوح واقتربت من فؤاد الحداد؛ ذلك الرجل العجوز الذي صدمته سيارة وهو يعبر الطريق بعد أن غادر البنك، لم أكن أعرف حينها أن هذين الوغدان هما من صدماه بغرض العثور على الخريطة الأثرية التي معه.</p><p>والآن فهمت لماذا ظنّا أنه كان يحوز هذه الخريطة وقت خروجه من البنك، لقد توهّما أنه ما دخل البنك إلا ليفتح الخزينة التي استأجرها في البنك ليضع فيها أشياءه الثمينة، ومن بينها ولا شك تلك الخريطة التي توصل إليها وحده.</p><p>ولو سألني هذان الغبيان من قبل لأخبرتهما أنه ما جاء إلا لسحب بعض الأموال، ولم يدخل أو لم أشاهده أنا على الأقل وهو يدخل إلى الخزينة.</p><p>والآن وأنا أجلس إلى جواره في سريره بالمستشفى بعد أن تعرفت إليه وإلى ابنته الوحيدة غدير؛ التي اكتشفتُ أنها كانت تدرس معي بالجامعة وفي كلية التجارة أيضًا، ولكنني كنت أسبقها بعام، وأنها كانت تعرفني جيدًا لأنني كنت الأول على الكلية دائمًا، ولم يكونوا يعرفون أن سبب تفوقي أنني كنت أقرأ ذكريات الأساتذة واضعي الامتحانات، ودائمًا ما كنت أصيب في معرفة الأسئلة التي قاموا بوضعها.</p><p>عرَفتني غدير قبل أن أعرّفها بنفسي وعرّفتني إلى أبيها، وحاولتُ جاهدًا أن أذكره بنفسي وما جرى معه في البنك يوم الحادث، ولكنني اكتشفت أنه فاقد للذاكرة فقدانًا كليًا، حتى ابنته التي تمدُّ يدها لتسقيه الماء هذه لا يذكرها، وساعتها علمت أن مهمتي ستكون صعبة أو مستحيلة.</p><p>ولا أخفي أنني بدأت أتعلق بغدير عاطفيًا، بدأت أحبها وأنجذب إليها، وأصبحت واقعًا بين مطرقة تعلقي بها وسندان غدري بأبيها وخيانته.</p><p>هل أتمادى في حبها وأرفض ما يريده مني الوغد يسري أم أن هذا لا يمكن أن يكون؟ هل يمكن أن أحافظ على حبي لها، وحبها لي؟</p><p>حبّها الذي لمسته من اللحظة الأولى للقائها وقراءة ذكرياتها معي في الجامعة.</p><p>لقد وجدت لديها ذكريات عصية على الحصر عني وعن لقاءاتها بي، تلك اللقاءات العاطفية التي لم تكن تحدث إلا في خيالها وفقط؛ ولكن عقلها دوّنها على أنها ذكريات حقيقية وأحداث حدثت بالفعل.</p><p>وهذه كانت مفاجأة بالنسبة إلى شخص خجول ومنطوٍ مثلي، لم يبادر يومًا بأخذ فعل أو إبداء رد فعل تجاه أي أنثى.</p><p>بخلاف أنثي اليعسوب؛ ضحى البرطاسي التي تظاهرت بالموت، أو بالأحرى تظاهرت بأنها ليست راغبة في الحب والارتباط حتى رحلتُ عنها، وعلى الفور نهضت ودبت فيها الحياة والرغبة في التزاوج من غيري.</p><p>واقترنت بحسن الدهشان زميلي اللزج اللدود الذي ما فكر حتى أن يدعوني لفرحهما، وما كنت لأحضر لو دعاني، ولكن رغبتي في الحصول على تقدير منهما، ولو كان تقديرًا زائفًا أو حتى تقديرًا من الأشخاص غير المناسبين، هي التي تدعوني لقول ذلك؛ ففي كثير من الأحيان نحتاج إلى التقدير حتى ولو من الأشخاص الخطأ.</p><p>ومضت الأيام، ويا للعجب!!</p><p>وجدتُ واحدة تحبني حبًا شديدًا منذ أعوام، وهي الآن تجلس إلى جوار أبيها في المستشفى كلاهما يعاني.</p><p>والدها يعاني من فقد قدميه وذاكرته، ويعاني من مطاردة وقحة من أغبياء متسلقين وصوليين انتهازيين يعملون لصالح أجندات مشبوهة للقضاء على تاريخ البلد وتراثها الحضاري وإرثها العظيم، ويعاني أيضًا من شخص جبان يجلس إلى جواره يدعي خوفًا عليه وإشفاقًا، وحبًا وترفقًا بابنته، ورثاءً لحالهما، ولا يفارقهما إلا بانتهاء وقت الزيارة اليومية، ويظن ذلك الرجل القعيد البائس أن هذا الشخص من بقية أهله أو هو ابنه، بينما لا يعرف ما يضمره في نفسه له من شر.</p><p>وكذلك ابنته الوحيدة الغريبة في هذا العالم تعاني معاناة واضحة لها مما يجري لأبيها، وتعاني معاناة مخفية عنها بحبها لهذا الشخص الجبان الذي تكن له مشاعر وعواطف قديمة كانت قد اندفنت في أعماق نفسها، وحاك عليها الزمان خيوطًا من نسيان، ونثر عليها غبارًا من تجاهل، وردم عليها باليأس والقنوط من أن تلتقيه في يوم.</p><p>بيد أن القدر كان له رأي آخر، إذ جمعهما سويًا، وهي تراه قادمًا كأنه يطل برأسه من حلم قديم ألوانه الأبيض والأسود فقط، يدخل إلى المستشفى، يسير في خطوات ثابتة، وتمنّت لو يراها إذا مرّ إلى جوارها، تمنّت لو يعرف ما كانت تخبئه له من خبيئةٍ في قلبها، تمنّت لو تلتقط مستشعرات الذكريات عنده ما حوته ذاكرتها عنه.</p><p>إلاّ أنه لم يشعر بها ومرّ بجوارها كأنه لم يرها، ومضى كطيف لطيف ووقف أمام مكتب الاستعلامات فالتقطت أذنها اسم والدها فهرولت تجاهه، وأخبرته بفرحة مبالغ فيها لاحظتها موظفة الاستقبال ونظرت إليها باستغراب؛ بينما لم تعبأ هي بشيء فقد وجدت حلمها القديم يتشكل ويتجسد أمام عينيها فتعرفت إليه وعرفته بنفسها، وأنها ابنة فؤاد الحداد الوحيدة، وأخذته في جولة تفقدية لوالدها وأجلسته إلى جواره في صمت.</p><p>كان صمتًا من جانبها ولكن من جانبي لم يكن صمتًا؛ صحيح أنني لم أتكلم غير أنني بدأت تشغيل قارئ الذكريات لأقرأ ذكريات والدها المستهدف، إلا أنني وجدت ذاكرته فارغة تمامًا، وبدأ المستشعر الخاص بي يلتقط ذكريات تنساب من رأس غدير، من أول ما رأتني وأنا أدخل المستشفى أرفل في ثياب الحب، حتى أول لقاء وأول مرة رأتني فيها في الجامعة.</p><p>تعجبتُ جدًا لها ولهذه الذكريات، وخشيتُ أن يكون قارئ الذكريات الخاص بي قد أصابه عطل جعله يخرف أو يعطي بيانات ومعلومات غير صحيحة، وخشيت أن أتحدث بشيء مما قرأته من ذكرياتها فأواجَه بالصد والتكذيب من جانبها، أو الملاوعة والمراوغة التي اعتادت عليها بنات جنسها، وبالأخص أنثى اليعسوب.</p><p>لم أكد أن أنطق ببعض الكلمات أُذكّرها فيها بنفسي حتى وجدتها قد انطلقت كسيل جارف تحكي وتحكي، وانصبت كل ذكرياتها على طاولة حوارنا فتأكدت من سلامة قارئ الذكريات وجودة أدائه فاطمأننت لذلك، لأنني كنتُ خشيت أن يكون تعطلّه هو الذي أثر بالسلب على محاولة استجلاب الذكريات من ذاكرة أبيها.</p><p>وبعد أن أبلغتني بفقدانه الذاكرة أظهرتُ أسىً وحزنًا شديدين لذلك.</p><p>رأتْهُ هي من جانبها شيئًا جميلًا وشعورًا نبيلًا وحبًا كبيرًا، ومن جانبي رأيته أنا حقارة ودناءة وقلة أصل، إنني هنا من أجل سرقة ذكريات أبيك، وددت لو أصرخ فيها وأقول لها ذلك لأريح نفسي وأهدئ أعصابي.</p><p>ولكن مع الأسف الشديد إذا فعلت ذلك فأنا متأكد من أنني سأخسرها وأخسر نفسي، فهي لن تَبقى معي ولن تُبقي عليّ لحظة واحدة بعد سماعها هذا الخبر، وكذلك يسري مزفوت لن يبقيني على قيد الحياة لحظة إضافية إذا بُحْتُ بالسرّ لأي كان، ولذلك فأنا الآن تائه حيران.</p><p>كل يوم أتوجه لزيارة فؤاد وغدير بالمستشفى، وأغادر إلى شرفة منزلي تداعبني أضواء الإعلانات، وفي الصباح أذهب إلى البنك وأعود لأكرر الكرة.</p><p>ومرة بعد مرة ألتقي بيسري أو أحد رجاله يسألني عن النتيجة فأبلغه أن الرجل مازال فاقدًا للذاكرة، ولا توجد في رأسه ذكريات لأقرأها، ومرة أخرى أبلغه أنني قرأت ذكريات ابنته ولم أصل لشيء ذي أهمية، وأنه لا يوجد أحد يزوره في المستشفى على الإطلاق؛ هل أنتم متأكدون أن هذا الرجل كان عالمًا أو حتى شخصًا معروفًا أو له ذكر في الحياة؟</p><p>إنني أظن أنه لو كان «يوتيوبر»، أو «تيكتوكر»، أو «بلوجر» لكان له زوار ومتابعون ومهتمون بأخباره، رغم أنه لا يقدم إلا محتوىً تافهًا يفتح من خلاله البث ليبث بعض التفاهات والأفعال عديمة القيمة والجدوى.</p><p>كأن يبث لنفسه بثًا حيًا وهو يطبخ البطيخ بالصلصة، أو وهو يطارد الجن في الجبال والأماكن المهجورة، ولا أعرف أي جن يطارده هؤلاء إلا أن يكون الواد الجن الذي غنّى له حسن الأسمر يومًا، أو يجلس لساعات يقشر بيضة حيّة دون أن يتسبب في سكب السائل منها، أو يفتح البث وينام ويبث شخيره وفمه المفتوح للعامة كأنه يظن نفسه صرصارًا مضروبًا بشبشب ليستلقي على ظهره على هذا النحو.</p><p>أو يفعل مثلما فعل بعض الشباب ذات يوم؛ ارتدوا أقنعة مخيفة في الشارع وحملوا سيوفًا وهم يركضون كأنهم أشباح، وكان ذلك أثناء تصويرهم مشهدًا تمثيليًا ضمن مقطع فيديو لنشره على التيك توك؛ فرآهم طفل بريء فتوقفت عضلة قلبه فمات من فوره.</p><p>أو هو أو هي، وما عاد يوجد فارق بين هو وهي، تجري تحديًا مع أحدهم وإذا خسرت الجولة تقوم بوضع أشياء على رأسها كأنْ تكسر بيضًا حيًا وتغرق به جسدها، أو تضع مساحيق غسيل الملابس على جسدها وتطلق الماء عليها؛ المهم أن ترتكب أي فعل يهين إنسانيتها أو إنسانيته.</p><p>المهم أن تتحلى بأخلاق القرود، وتتصرف تصرفات القرود، وتأكل كما يأكل القرود، وتعمل مقالب فيمن تعرفهم كما يعمل القرود، مقابل تلقي الدعم من المتفرجين على خيبتك.</p><p>المهم أن تنزل من مرتبة إنسانيتك إلى مرتبةٍ دنيا، بدلًا من أن ترتقي نحو الملائكية كما أراد لك خالقك.</p><p>إذا نزلت وتنازلت عن منزلتك ووضعك الذي خلقك الله فيه وكرّمك ساعتها تنهال عليك التكبيسات والهدايا والأسود والورود، ساعتها تصبح تيكتوكر مشهور أو يوتيوبر ذا صيت أو بلوجر معروف.</p><p>ساعتها لن تجلس في المستشفى وحيدًا لا يزورك أحد مثلما هو حال العالم الجليل فؤاد الحداد، الذي لو أوتي ذاكرة الآن لتمنّى أنْ لم يكن في يومٍ عالمًا.</p><p>وأنْ لو كان أحد هؤلاء التافهين فينال مجدًا وشهرة ومالًا.</p><p>أو لو كان موظفًا بسيطًا؛ يروح إلى عمله فلا يعمل عملًا ذا أهمية، ويغدو منه فلا يتقاضى راتبًا ذا قيمة، فقط عليه أن يوقع حضورًا في خانة الحضور، ويوقع انصرافًا في خانة الانصراف.</p><p>وإذا تطوّر الأمر فعليه أن يضع بصمته الغالية على جهاز البصمة الحديث، ليثبت حضوره الجسدي إلى مكان العمل، ولا يهم ماذا يؤدي من عمل بعد أو أين يذهب أو كيف يعامل جمهور المتعاملين معه، أو هل يبقى في مكان العمل أصلًا حتى نهاية اليوم ليضع بصمته الشريفة على جهاز البصمة، أم أنه يبصم أول اليوم ويغادر إلى أشغاله الخاصة، ولا يعود إلى على البصمة الختامية، يتكرّم بها وينطلق سعيدًا مبتسمًا فرحانًا بأنه أنجز شيئًا عظيمًا اليوم وكل يوم؛ وهو أنه يترك بصمته في العمل.</p><p>وقتها كان يمكن لفؤاد الحداد أن يقضي حياته الوظيفية برتابة وملل، وبعد أن تنتهي ربما تذكره أحد زملائه فزاره في المستشفى اليوم؛ أما أن تكون عالمًا فيبدو أنه مكتوب أن تبقى أبدًا في سرير المرض بغير رفيق ولا زائر ولا سائل ولا مطمئن ولا متقصٍ لأخبارك.</p><p>وهذا غريب للغاية كيف يمكن أن يكون عالمًا ومشهورًا وحائزًا لخريطة أثرية متفردة، ووحده الذي يحوزها، وعندما يقبع على السرير في المستشفى لا يجد من يسأل عنه؟</p><p>هذا يثير في نفسي الظنون والشكوك، حول قيمة أي من الاثنين؛ الخريطة أو فؤاد نفسه.</p><p>ربما لم تكن الخريطة ذات قيمة أو لم يكن هو ذا قيمة.</p><p>انغمستُ مع غدير ووالدها يوميًا كما ينغمس البسكوت في الشاي فيذوب فيه، وجدتُ بينهما رغم الذاكرة المفقودة ذلك الحب والتجمع الأسري الذي افتقدته منذ مولدي، وجدت بينهما الألفة والمودة والاهتمام، وعلاقة الأب بابنته التي لم أشاهدها من قبل، أو لم أكن أعرف تفاصيلها وطبيعتها.</p><p>ورغم أن والدها فقد ذاكرته إلا أنه لم يفقد الأبوة والحنان، مازال وهو قعيد بلا ذاكرة يسألها بين لحظة وأخرى عن حالها، وماذا فعلت في يومها، وبمن التقت، ولماذا هي حزينة أو سعيدة، ويطمئن على كل تفاصيلها، رغم أنه يعود فينسى فيعود فيسأل، وهي لا تمل من تكرار الإجابة.</p><p>انزويت في ركن الغرفة أراقبهما بعينين متأملتين، وبنفس يملؤها الحب، وتغمرها السعادة، والحزن في الوقت نفسه.</p><p>تنازعني نفسي الجبانة بين أنني لا بد أن أخاف من يسري وأن أمضي في تنفيذ أوامره حتى النهاية، وبين أنني لا بد أن أصارح غدير بالحقيقة وأن أرى ردة فعلها وأقرر ماذا أفعل بعد ذلك أو ماذا نفعل سوياً، ربما سامحتني، وربما التمست لي المعذرة، وربما طردتني، وربما عنفّتني وأسلمتني إلى الشرطة غير مأسوف عليّ، وربما، وربما، وربما؛ احتمالات واحتمالات، واحتمالات.</p><p>كلما فكرت في الأمر يزداد تعقيدًا وأزداد حيرة، أتقدم مرة لأخبرها بالحقيقة، وأتراجع في المرة نفسها وأكفُّ لساني، كلما رأيت نظراتها البريئة لي حزنت وغضبت من نفسي وهممت بالبوح، وكلما تذكرت صورة ذلك الحيوان المفترس خشيت أن أنطق.</p><p>والآن تزايدت خشيتي وتضاعف خوفي، ففي البداية كنت أخاف على نفسي من بطشه، أما اليوم فمازلت أخاف منه طبعًا ولكن عليها قبلي.</p><p>لقد امتزجتُ بها وامتلأت بها امتلاء الكوب بالماء، تشبيه بليغ؛ لأنني الكوب وهي الماء، ويمكن ليسري أن يبتلع هذا الماء في لحظة، ويمكن له أن يكسر الكوب في اللحظة نفسها؛ وهكذا ينتهي كلانا إلى غير لقاء.</p><p>إلاّ أنني اليوم ما زلت أملك الفرصة، مازلت قادرًا على البقاء والاستمرار ولو لأيامٍ قليلة.</p><p>فمادام يسري يشكُّ ولو شكًا ضعيفًا أنني قادر على إمداده بالمعلومات التي يريدها فسوف يبقيني على قيد الحياة، أما إذا تيقن من أنني أصبحت عديم الفائدة فسوف يقضي عليّ على الفور بغير تفكير ولا تردد، وأعلم أيضًا أنه فور تمكنه من معرفة مكان الخريطة الأثرية ومحتواها سيتخلص من فؤاد وربما من غدير.</p><p>ولذلك فلابد أن أقنعه دائمًا بأنه ما زال هناك أمل، وأن الغد يحمل لنا الأخبار السارة، وأن فؤاد أوشك على استعادة ذاكرته؛ وبالتالي سيستطيع قارئ الذكريات أن يقرأ، وسيصل هو إلى أهدافه الخبيثة بسلام.</p><p>وبعد أيام تحطمت خطتي الساذجة على صخرة الطبيب الذي أبلغ أحد رجال يسري بالحقيقة، وأخبره بأن فؤاد حالته لم تتحسن ولو للحظة، ولم يتذكر ولو موقفًا واحدًا، ولم يُبْدِ استجابة لأي علاج.</p><p>وكل هذا كَذّبَ روايتي ووضعني في مأزق لا فكاك منه كانت نتيجته أن تم اختطافي إلى تلك الفيلاّ اللعينة كالكابوس، القابعة في الطريق المظلم الموحش مع الوحوش البشرية الضارية.</p><p>لا أستطيع أن ألوم الطبيب فلا أعرف سبب إدلائه بهذه التصريحات، ولكن إن كان هو من فعلها فمعه عذره، ووجودي في هذه الفيلاّ المرعبة يكفيني لأن ألتمس له ألف عذر.</p><p>ضربني يسري وأعوانه ما وسعهم الضرب، سبّوني ما وسعهم السب، توعدوني وهددوني، وألقوني حيث أخذوني، ومنحوني أجلًا وفرصة أخيرة.</p><p>فرصة لمدة أسبوع إضافي بعدها إما الخريطة وإما النهاية.</p><p>كنت أظن أن الحياة تستمر على خط واحد، وارتضيت لنفسي أن أقتنع وأرضى بالعيش بقرب غدير وأبيها إلى الأبد، ظننت أن هذا الوضع المُرضي بالنسبة لي سيستمر.</p><p>وتأبى الحياة إلا أن تعود سيرتها الأولى، لا تًبْقَى على حال ولا تُبقي على أحد، وها هي تفعل معي الأمر نفسه، تضعني في مأزق البداية والنهاية، تحصرني في خطٍ زمني محدد؛ مثلما تضعنا الحياة في خطٍ محددٍ يبدأ بالميلاد وينتهي بالموت، وتلزمنا بأن نباشر كل أعمالنا خلال هذه المدة المحددة بدون زيادة أو نقصان، وهو شيء في الحقيقة لا يصلح معنا غيره.</p><p>فلو مُدت أعمارنا إلى ما لا نهاية لأجّلنا أعمالنا إلى ما لا نهاية، وما كان هناك من سبيل لتقييمنا وتقويمنا ومجازاتنا عن أعمالنا؛ وهذه طبيعة الإنسان.</p><p>الآن أجدني مجبورًا على إخبار غدير بكل شيء، لم يعد هناك طريق آخر.</p><p>صحيح أننا أصحاب إرادة حرة، صحيح أننا مخيرون، صحيح أننا نُمنح اختيارات متعددة، ونختار منها اختيارًا واحدًا بحريتنا وإرادتنا؛ ولكننا أيضًا نُجبر على بعض الأشياء في حياتنا.</p><p>نُجبر على مولدنا وموتنا، نُجبر على صحتنا ومرضنا، نُجبر على ما يجري لنا من أحداث وما يجري حولنا، نُجبر على حُلو الحياة ومرها، نُجبر على أقدارها بخيرها وشرها.</p><p>بيد أنّ كل هذه الأشياء التي نُجبر عليها لا تؤثر على إرادتنا ولا اختياراتنا، ولو أثرت عليهما فإن هذا يكون سببًا لإلغاء الإرادة وإعدام الاختيار وبالتالي انتفاء المسئولية واستمرار الأصل فينا وهو البراءة.</p><p>لذلك لا يحاسب الله فاقد العقل بل لا يكلفه بأي تكليف، ولا يحاسب المُكْرَه، ولا المضطر، ولا الناسي، ولا النائم، ولا الطفل الذي لا يستطيع التمييز بين الخير والشر والحق والضلال، كل هؤلاء ومن على شاكلتهم لا يحاسبهم الله عن أفعالهم، والباقون يحاسبون على قدر تكليفهم، ويكلفهم قدر طاقتهم.</p><p>فالله لم يجبر أحدًا على القتل، ولم يجبر أحدًا على السرقة، ولم يجبر أحدًا على الغش، ولم يجبر أحدًا على السب؛ ولكنه خلق هذه الأفعال وكوّنها ووضعها داخل مكونات الحياة، وضعها على رفّ الحياة أمامك، يمكنك أن تمد يدك لتتناولها، وتسب أو تسرق أو تقتل أو تغش، كما يمكنك أن تشيح بوجهك عنها ولا تقع في الفخ.</p><p>تمامًا مثلما فعل مع أبيك آدم وأمك حواء، وضع أمامهما شجرة ونهاهما عن الأكل منها، وترك لهما حرية الاختيار بين أن يأكلوا منها أو لا يأكلوا، وكان اختيارهم أيًا كانت دوافعه هو الأكل منها فظهرت لهما سوءاتهما.</p><p>وهنا تأتي المرحة الثانية، هل تركهما الله عاريين وبلا إعانة؟ بل على العكس وفّر لهما أسباب الستر، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وأوحى إلى آدم بكلمات قالها آدم فتاب عليه.</p><p>وكذلك أنت عندما تتناول السرقة من على الرف فإن هذا ليس نهاية المطاف، لن تسقط في الهاوية بغير عودة، بل إنك قادر على الرجوع في هذا الاختيار بأن تتوب لله وتمتنع عن السرقة مجددًا وتعيد المسروقات التي سرقتها؛ وهكذا فأنت في الحالتين قد اخترت مصيرك.</p><p>عندما تلعب الفيفا (FIFA) أو البيس (PES) فإنك تختار من بين عدة اختيارات، إذا أردت تسديد الكرة تجاه المرمي تضغط على زر المربع بقدر معين فتنطلق الكرة نحو المرمى، فلو زاد مقدار الضغطة لارتفعت الكرة عن المرمى وضاعت الفرصة، وفي الحالتين أنت من اختار أن يضغط على هذا الزر بهذا القدر، وعليك أن تتحمل نتيجة ذلك.</p><p>فالمبرمج وضع أمامك كل الاحتمالات في اللعبة، وترك لك حرية الاختيار بينها، ولكنه في الوقت نفسه يجبرك على أشياء معينة، كوقت المباراة المسبق، وقواعد اللعبة، وأنت ملزم باللعب للمدة المحددة، ومجبر على التعامل وفق هذه القواعد، وتختار من بدائلها وتتحمل نتيجة اختياراتك.</p><p>ولا يمكنك لوم المبرمج لأنك عندما ضغطت على زر الدائرة لم يمرر لاعبك الكرة، وذلك لأنه وضع القواعد وطريقة الاستخدام وعلّمها لك، فالدائرة تؤدي إلى تزحلق اللاعب وربما تسببت في طرده إذا ارتطم بلاعب الفريق الآخر فأهواه أرضًا، فإذا استخدمت الدائرة في غير موضعها فلا تلومن إلا نفسك، فالقرار قرارك والاختيار اختيارك في كل الحالات، فإذا أردت نتيجة معينة عليك أن تختار التصرف المناسب الذي يؤدي إليها، ولا تنتظر أن تجني من الشوك عنبًا.</p><p>وكذلك هي الحياة؛ لعبة كبيرةٌ ولكنها في منتهى الجدية، والسبب في جديتها أنها لا تحدد مصير مباراة، ولا كأس، ولا دوري، ولكنها تحدد مصير إنسان، والإنسان أغلى من كل هذه الأشياء، ومصيره أهم من مصائرها، وقد قررتُ أن ألتزم بقواعد اللعبة طالما أن الحياة لها نهاية.</p><p>فالنهاية المحتومة التي وضعها الله لحياة الإنسان في وقت محدد سلفًا تعطي الإنسان الحرية الكاملة في الاختيار؛ لأنه يعلم أنه يوم يموت فإن هذا اليوم هو يوم موته الوحيد، ولو تكرر ذلك اليوم ألف مرة لتكرر موته في هذا اليوم كل مرة، وبالتالي يكون حرًا من كل قيد، حرًا من كل إنسان يُخوّفه بأنه قادر على إنهاء حياته، وهو الأمر الذي يعبر عنه الناس بالتعبير السائد «ما يأخذ الروح إلا خالقها».</p><p>وكذلك لن يموت الإنسان حتى يستوفي رزقه كله، فالرزق المقرر له في هذه الحياة سيأتيه لا محالة، سواء أراد أم لم يرد، سواء التزم الطريق القويم أو غشّ أو سرق، سيناله رزقه سيناله.</p><p>الآن تتردد في داخلي كلمات رسول الله وخاتَم النبيين: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها…»</p><p>ضمن الله للإنسان رزقه، وضمن له حياته، وبالتالي ضمن له حريته واستقلاليته وإرادته؛ ولذلك قررتُ إخبار غدير بكل ما جرى.</p><p>ما الذي سأخسره؟ حياتي‼ إذا انتهت فإن هذه هي نهايتها، ولم يكن هناك سبيل لزيادتها يومًا جديدًا.</p><p>ماذا سأخسر؟ وظيفتي‼ إنها من رزقي وهو لا يضيع وسيأتيني سيأتيني، وطالما أنني لم أخَتَرْ خسارة عملي إلا بمقابل مجزٍ؛ وهذا المقابل هو أن أكسب نفسي، فلا ضير.</p><p>ماذا سأخسر؟ غدير‼ لقد خسرتُ ضُحى من قبلها واستمرت الحياة بل ووجدت غدير وتعلقت بها تعلقًا أشد من ضحى.</p><p>إذن؛ لا يوجد لديّ ما أخسره.</p><p>إلى متى سأظل قابعًا في الظل؟ إلى متى سأظل متعلقًا بالدنيا راضيًا بالدنايا؟</p><p>رغم أنني لم أرَ في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام، مثلي مثل المتنبي الذي لم يرَ أسوأ من هذا العيب.</p><p>طالما أنني قادر على التمام، أو هكذا أظن، فلماذا أرضى بالدون؟</p><p> ولذلك أخبرت غدير بكل شيء.</p><p>مثلما توقعتُ غضبتْ غدير وتهددت وتوعدت.</p><p>ولأنها طيبة القلب فما لبثت أن عادت أدراجها وهبطت على أرض الواقع، ووازنت بين ما تم فرضه عليّ وما قبلتُه مكرهًا.</p><p>كيف تحاسب مكرهًا؟ خصوصًا إذا لم يتمادى في غيّه، ولم يجارِ شياطين الإنس ولم يستمر معهم في مسلسلهم الشيطاني.</p><p>التمستْ لي الأعذار من ثنايا محبتها لي، ومن خلال صدق حدسها وعلمها اليقيني أنني لا يمكن أن أكون إنسانًا سيئًا، أو أن أكون شريكًا لهؤلاء الحقراء وإلاّ لما اعترفتُ لها بذنبي، ولما امتنعت عن السير معهم في طريقهم رغم المخاطرة الشديدة التي أتعرض لها نتيجة هذا القرار.</p><p>لقد اتخذت القرار وأنا أعلم أن مصيري إما القتل أو القتل، ورغم ذلك اخترت أن أصارحها.</p><p>عَفَتْ عنّي وانضمت إليّ تشاركني الهموم والأحزان؛ ماذا سنفعل وكيف نتصرف؟</p><p>ولما سألتها عن مكان الخريطة إن كانت تعرف عنها شيئًا ضحكت، وقالت لي: «هل غيرت خطتك وتريد أن تصل لغرضك من خلالي بدلًا من ذاكرة أبي؟»</p><p>شاركتها الضحك المرغم المثقل بالهموم والمحمّل برمال الضيق وأتربة القلق من المصير القادم بعد أيام.</p><p>كلّما مرت ساعة من المهلة الممنوحة لي أزداد قلقًا، وكلّما مرّ يوم يتضاعف همي.</p><p>مرت الأيام تلو الأيام ولم نصل لحل، لم يعد غير يومين.</p><p>يومان فقط يفصلان بيني وبين المصير المحتوم.</p><p>لم أعد قادرًا على التفكير، ولم تجد غدير حلًا فهذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها عن الخريطة، وهذه هي المرة الأولى التي تعرف فيها أن هناك شبهة جنائية في حادث أبيها، لقد ظنّت أنه مجرد حادث عابر وقائد سيارة متهور غادر صدم رجلًا عجوزًا بسيارته وبدلًا من أن يقف لمساعدته يفر هاربًا، أما الآن فقد بات هناك متهم.</p><p>وهذا المتهم أصبح معلومًا تمام العلم، هذا الذي تسبب في فقد أبيها لعينيه إلى الأبد، ولذاكرته إلى الأبد، أضحت تعرفه، وتعرفه جيدًا؛ ولكن ما حيلتها تجاهه؟</p><p>هل تبلغ الشرطة وتحرر محضرًا وتأخذ الإجراءات القانونية؟ كل هذا لن يعيد لأبيها ما فقده ولكن سيؤدي إلى فقدها لناروز.</p><p>هذا الإنسان الغريب الذي أصبح في يوم وليلة أقرب المقربين إليها.</p><p>لا داعي للمشكلات ولتعش في سلام إلى جانب أبيها بأوجاعه وحبيبها بهمومه.</p><p>ظلت تكرر على سمعي هذه الكلمات يوميًا فلا هي تكف عن الكلام ولا أنا أجد حلًا ولا أجد كلامها منطقيًا.</p><p>فهي تظن أننا إن سكتنا والتزمنا الصمت سيؤدي هذا إلى نجاتنا، تظن أن يسري سيتركنا في حالنا إن تركناه في حاله وهذا مستحيل.</p><p>أخبرتها أكثر من مرة أن هذا الشخص لا يأبه بحياة أحد، ولا يعبأ بحياة أحد، ولا يهتم لمصير أحد، ولا يشغله شاغل في الحياة إلا نفسه، ومصلحته، و… ولا شيء آخر.</p>
<p>بعد أن غادرت المستشفى اليوم؛ وهو اليوم قبل الأخير من المهلة، شعرت أنني مسجون، في الحقيقة لست في السجن، لست محاطًا بأسوار وحراس.</p><p>ولكنني أشعر أنني نزيل عنبر الجبناء، سجين في البنك أثناء أوقات العمل الرسمية، سجين في المستشفى في أوقات الزيارات اليومية، سجين في البيت في ساعات الوحدة المسائية، سجين في كل الأوقات كلما تذكرت يسري ممدوح وما يعتزم فعله معي، سجين في نفسي وفي أفكاري وفي علاقاتي وعواطفي ورغباتي، مقيد مكبل.</p><p>وللمرة الأولى أفهم وأستشعر معنى تصريح سعيد صالح الذي سمعته يومًا في إحدى لقاءاته التلفزيونية القديمة وهو يقول إنه قبل أن يخرج من السجن بعشر أيام اكتأب، وعندما سألته المذيعة عن السبب قال بتلقائيته المعهودة: «قلت لهم برة أعمل إيه ما أنا هنا عارف ده عنبر قتالين القتلى وده عنبر المخدرات وده عنبر الأموال العامة وده عنبر الآداب عارف كل مجرم إنما بره أنا مش عارف مين المجرم كلهم شبه بعض»</p><p>وهذا هو عين المأزق الذي أنا فيه الآن، لا أعرف من المجرم ومن البريء، من المزيف ومن الحقيقي؛ كأن نظام الويندوز الخاص بي أصابه فيروس منعه من التمييز.</p><p>منذ التقيت بيسري ممدوح وأنا على هذه الحال من الشك في كل شخص أقابله، ما الذي يمنع أن يكون الطبيب الذي أبلغهم بحقيقة حالة فؤاد الحداد أحد رجال يسري ممدوح؟ ما المانع أن يكون كذلك؟ بل هو كذلك وأنا على ثقة تامة من ذلك، كيف أميز بين المجرمين وغيرهم؟ كلهم يشبه بعضهم بعضًا.</p><p>يسري هذا نفسه عندما تراه لا يمكنك أن تشك أن هذا مجرمًا وطليقًا ويعيث في الأرض فسادًا، منظره كمنظر رجل الأعمال بهيئته وهيبته وأمواله المتناثرة في كل مكان يحل فيه، والحراس الشخصيين الذي يحرسونه طيلة الوقت.</p><p>هو نجم في نهار الحياة لامع مهندم براق منظم، أما في ليلها فهو معتم شاحب قاتل سارق غشاش مخادع.</p><p>له ضحايا كثيرون، ليس مساعده السابق الذي قتله أولهم، ولن أكون أنا آخرهم.</p><p>فمثل هذا يمارس الإجرام بالسليقة، بالطبيعة، كالأكل والشرب، يتخلص من الإنسان كما يطبخ الجمبري، أو يستعمله كطُعمٍ لغيره كما يستعمل الجمبري؛ في الحالتين لا يعنيه الجمبري في شيء، ولا تهمه حياة الجمبري، ولا أسرة الجمبري، ولا أهمية الجمبري لبقية الجمبري، هو يبحث عن نفسه وفقط.</p><p>وإذا كان الجمبري قد خلق لتكون نهايته بيد إنسان يطبخه أو يصطاد به؛ فإن الإنسان لم يُخلق ليكون طُعمًا ولا غذاءً لإنسان مثله.</p><p>كيف أميز يسري هذا من بين بقية رجال الأعمال الصالحين المجتهدين؟ صعبٌ عليّ وعلى غيري، ولذلك فإنني فريسة سهلة لأمثال يسري من المجرمين.</p><p>وإن لم أقع ضحية ليسري ممدوح في جبروته وإجرامه؛ فلابد أنني كنت سأقع في شراك «مستريح» يبني شركته على أحلام الآخرين وطموحاتهم وتطلعاتهم، يجمع أموالهم بحجة توظيفها لهم وإدرار الربح عليهم كالطوفان، وهم تحت وطأة الدعاية التي يتقنها، والخطة المحكمة التي ينفذها، والأرباح البراقة التي يبرزها لهم، ويعطيها لهم في البداية، تحت وطأة هذا كله يقعون ضحيةً له، ويعطونه كل ما لديهم من أموال، ليستثمروها لديه بأرباح مضاعفة.</p><p>ثم يفيقون في يومٍ من الأيام على خبر هروب هذا المستريح، ليكتشفوا أنه استراح على قفاهم بعد أن صفعهم عليه وولى هاربًا إلى غير رجعة.</p><p>وقد أفلتُّ من براثن هذا المستريح مرات ومرات بسبب سلبيتي وإحجامي عن المجازفة والمخاطرة، وكلما نظرت في وجوه المضحوك عليهم منه أدركتُ أن لسلبيتي مزايا كما لها عيوب.</p><p>وبعد أن أفلتُّ من «المستريحين» النصابين البشريين، تلقفني تطبيق إلكتروني أو بتعبير أدق «مستريح إلكتروني» يحوز على ثقتك ويستغل طمعك ورغبتك في الثراء السريع، يوهمك باستثمار أموالك من خلال التطبيق مقابل فوائد ضخمة.</p><p>وبعد أن تتمادى معه تفيق في صبيحة يوم من الأيام لتجد التطبيق قد أغلق واختفى وأصبح وهمًا، وضاعت أموالك، فإما أن تستدين، وإما أن تموت، وإما أن تنتهي حياتك الزوجية، أو تقعد على فراش المرض غير مأسوف عليك، أو تعود كأعمى البصيرة إلى تطبيق جديد تلقي إليه بأموالك، وهكذا تدور عجلة النصب وهكذا تكون ترسًا فيها برضاك أو بغيره.</p><p>وقد فشل هذا التطبيق أيضًا في إقناعي بأن أشتري آلات تعدين وأن أضخ أموالي فيه، رغم أنه لا يحتاج لمجهود مني ولا يحتاج لإيجابية بل كان متناسبًا مع سلبيتي وكسلي، فبضغطة زر أستثمر فيه، ولكن رغم ذلك لم أسقط في شباكه.</p><p>كل هؤلاء النصابين لا يعلقون على صدورهم، أو على مكاتبهم، أو على شركاتهم، لافتات مدونًا عليها النصاب فلان، فكيف لي أن أكتشفهم؟</p><p>لولا سلبيتي لسقطت في أيديهم، ألم يكن سعيد صالح على حق في قوله: «…بره أنا مش عارف مين المجرم كلهم شبه بعض».</p><p>وهذا هو أحد أهم أسباب السجن الاختياري الذي فرضته على نفسي، فلا أنا أخرج من بيتي، ولا أنا أقبل بأي معاملة جديدة غريبة إلا بعد دراسة عميقة، ووقت فراغي يسمح لي بذلك، وقلة طموحي في الحياة وأموالها تتيح لي ذلك.</p><p>أما الكائنات البشرية اللاهثة وراء الثروة، أو من يناضلون منهم من أجل لقمة العيش، فلا يوجد ما يحميهم من هؤلاء النصابين، إنهم حتى إن أفلتوا من هذين الشركين لابد أن يقعوا في شراك نصاب آخر.</p><p>نصاب البنوك الغبي الذي تلقيت رسالة منه ذات يوم على هاتفي تطالبني بضرورة تحديث بيانات حسابي البنكي، ولما اتصلت به طلب مني رقم الفيزا والرقم القومي، وأضفى على نفسه الشرعية بأن انتسب إلى البنك المركزي، وسايرته قليلًا رغم أنه جاء ليبيع الماء في حارة السقائين، سايرته حتى اطمأن لغبائي المفتعل.</p><p>وعندما بدأت أسجل المكالمة ونظرًا لأن هاتفي أمين فقد أبلغه بأنه يجري الآن تسجيل المكالمة فأغلق الهاتف بهدوء بعد أن قال بنبرة رسمية: «غير مسموح لك بتسجيل المكالمة يا أفندم، هذا مخالف لتعليمات البنك المركزي، عندما تكفُّ عن تسجيل المكالمة سأتواصل معك».</p><p>يا لك من نصاب مستفز‼ أما زلت مصرًا على النصب عليّ حتى بعد أن علمت أنني أسجل مكالمتك؟ من أين لك بهذه الثقة في قدرتك على النصب والخداع؟ هل استمددتها من كثرة الضحايا الذين أعطوك بياناتهم وأفاقوا على حساباتهم البنكية فارغة من أي رصيد بعد أن سحبته أنت كله وتركتهم لحسرتهم؟</p><p>والآخر الذي وجد قطعة آثار ويريدني أن أتصرف له فيها، والآخر، والآخر، والآخر؛ كل هؤلاء وأكثر.</p><p>ورغم بغضي لكل هؤلاء إلا أنني الآن أتمنى لو وقعت فريسة لأحدهم خير من أن أواجه ذلك المجرم، وتواجهه معي غدير، ونحن بلا أي حيلة، ولا قدرة على المواجهة، ولا نعرف ما الذي ينبغي علينا فعله في مثل هذا الموقف.</p><p>ولكن لم يعد لنا من مهرب، سنواجه مهما كانت العواقب، ومهما كان الثمن، فلا أنا سأخسر شيئًا، ولا غدير لديها ما تخسره.</p><p>فوالدها وقد خسرته بالفعل، إذ بات قعيد الفراش رهين المرض، ميت قبل أن يموت.</p><p>وحبيبها الذي هو أنا وستخسره في كل الأحوال سواء واجهنا أو لم نواجه، ولذلك فلم يعد لديها ما تخسره.</p><p>قررنا أن نواجه يسري ورجاله ونتحرك نحن نحوهم، ولا ننتظر حتى يأتوا هم إلينا، درسنا الأمر من كل الوجوه، وقررنا أن أذهب وحدي إلى تلك الفيلاّ البغيضة وليكن ما يكون.</p><p>سأذهب بمفردي ولابد أن تنساني هي وكأنها ما التقتني يومًا.</p><p>واقتنعتْ هي رغمًا عنها بذلك، وقبلتْ به على مضض، فلا يوجد حل آخر؛ أضيع وحدي وتبقى هي وأبوها على قيد الحياة وينجوان من هذه المكيدة.</p><p>«لا توجد خريطة» سأعلنها في وجه يسري، «ولا ذاكرة لدى فؤاد الحداد، ولو كانت موجودة فلن أقرأها، ولو قرأتها فلن أدلك على ما فيها، وها أنا واقف أمامك فافعل بي ما تريد».</p><p>سأقف في وجهه كالصخرة، لن أتراجع؛ ليس من أجلي فحسب، ولكن من أجل غدير أيضًا.</p><p>صحيح أنني في المرات الفائتة كنت أتقهقر وأتراجع إلا أن هذه المرة مختلفة، سأصمد من أجلها، ومن أجل أبيها، ومن أجل كرامتي، اليوم أنا شخص جديد.</p><p>وقفت أمام يسري ممدوح بكل جسارة، وأعلنت أمامه ما رتبته في ذهني بكل قوة، وانصدم مما أقول، وانصدم أكثر من الطريقة الجريئة التي أتحدث بها، وحدث ما توقعته انهال عليّ ضربًا وسبًا هو ورجاله، لم أتأثر، لم أتأثر بأي ضرب فعليًا، كأن ضرباتهم لا تصيبني، أو كأنني مصنوع من مادة لا تتأثر بهذه اللكمات التافهة، أو كأن صلابة إرادتي جرت في كل جسدي.</p><p>فجأة توقف عن الضرب وأمر رجاله بالتوقف، واستلّ نَفَسًا عميقًا يستريح به من المجهود الجبار الذي بذله في ضربي، وجلس على الكرسي كأنه صخرة تسقط في الماء، ونظر إليّ.</p><p>ولأول مرة أقرأ في نظراته لي فزعًا لم أجد له مبررًا؛ هل أصابه كلامي بالذعر لهذه الدرجة؟ أم هو على وشك الدخول في نوبة قلبية حادة؟</p><p>نفث أنفاسه المختلطة بالغضب والخوف الغريب، وتحدث إليّ بلهجة حانية غير معتادة من مثله، ولا منتظرة منه مع كائن ضعيف مثلي، وقال:</p><p>«سأسامحك على ما مضى ولكن عليك أن تتعاون معي فيما هو قادم وإلا …».</p><p>قال الــ إلاّ وسكت، لم يكمل ما بعد الــ إلاّ فلم أعرف أهو يهددني ويبالغ في تهديدي بإخفاء الجزاء الذي سينالني إن لم أستجب له؟ أم أنه لا يجد ما يهدد به؟ أم أنه أدرك أنه لم يعد يوجد شيء يخيفني؟</p><p>ما الذي غيّرك أيها العتويل وأقعدك تتفاوض مع ضعيف مثلي؟</p><p>هل يُعقل أن المطلوب مني لم يكن سوى اتخاذ خطوة واحدة نحو المواجهة وحينها ينهار يسري أمامي بهذه البساطة؟</p><p>هل لمجرد أنني صمدت أمامه وأمام ركلاته وضربات رجاله لبضع دقائق فَقَدَ الأمل في أن يحصل مني على أي شيء بالإكراه، هل يعقل هذا؟</p><p>هل الخوف خائف بالفعل مثلما يقولون يهرب ممن يقتحم عليه معاقله؟</p><p>هل الشجاعة كما يقولون ليست ألا تخاف بل ألا تتصرف بناءً على خوفك؟</p><p>ليس المهم أن تخاف أو لا تخاف المهم ماذا يدفعك خوفك لتفعل؟</p><p>«ما الذي غيّرك يا يسري؟ ماذا جرى لك أيها العتويل؟»</p><p>سألته السؤالين الأخيرين وأنا أُجلِسُ نفسي على الكرسي المقابل له متخذًا وضع الواثق في نفسه لأبعد حد.</p><p>وكأنني لم أكن مكوّمًا على الأرض أتلقى الضربات منذ لحظات، وكأنني لا أرتعد من داخلي خوفًا، وكأنّ هذه النبرة المتحدية التي أتحدث بها هي نبرة حقيقية نابعة من داخلي وليست مفتعلة لإيهامه ورجاله أنني بخير وأنهم مهما يفعلون بي فلن ينالوا مني ما يريدون، وأنني جئت إليهم وخلعت الحياة على باب الفيلاّ البغيضة.</p><p>«لا أريد حياتي، ولا أريدك يا يسري، لا أنت ولا هؤلاء الأغبياء، هل ظننت أن الضرب والتخويف سيجدي معي؟ أنت واهم»</p><p>قاطعني يسري مشهرًا ذراعه في وجهه بعنف وغيظ وصرخ: «كفى»</p><p>احتقن وجهه أكثر وهو يضغط على نفسه ليقبل بالوضع الجديد ويسألني عن طلباتي حتى أتعاون معه وأقدم له الخريطة الأثرية، وظل يعدني بنعيم ويمنيني بأموال لا أستطيع لها عدًّا ولا أذكر أرقامها الغريبة على سمعي.</p><p>ما هذا الفخ الجديد الذي ينصب لي؟ وماذا أنا فاعل؟ هل أضحّي بغدير ووالدها؟ هل أبيعهما وأبيع نفسي؟ ماذا عساي أن أفعل؟</p><p>أعتقد أنني لم أعد قادرًا على قبول المواءمات، لم يعد لدي متسع من الصبر للتفاوض مع هذا الحقير.</p><p>رفضت كل محاولاته وإغراءاته، وكررها هو مرات ومرات دون كلل أو ملل، ولما يئس مني نهض واقفا بعنف وهو يقول لي بتوعّد:</p><p>«أنت الذي جنيت على نفسك»</p><p>تهكمت وسخرت وتطاولت وسببت وشتمت، وفعلت كل ما نما إلى قاموس الشر عندي من أفعال.</p><p>«لا شيء أخسره فافعل ما لديك، ماذا ستفعل؟ هل ستقتلني؟ اقتلني كما تشاء. أرى أن الخيارات أمامك محدودة فإما أن تقتلني أو أن تتركني وشأني وأتركك وشأنك.»</p><p>«تتركني وشأني!!» بصوت بطيء رددها يسري.</p><p>«سأتركك وشأنك ولكن ماذا عن حبيبتك غدير وشأنها؟»</p><p>كيف عرف هذا الوقح أن غدير حبيبتي؟ يبدو أن ذلك الطبيب لم يكن معذورًا، يبدو أنه ما كان إلا جاسوسًا مدسوسًا علينا.</p><p>ماذا سيفعل هذا الشيطان مع غدير؟ لو قتلني قبلها فلا مانع عندي ولا مشكلة.</p><p>المشكلة لو تركني وقتلها، كيف سأسامح نفسي على ما سببته لها؟ ألم أكن قادرًا على اتقاء شره وتنفيذ أوامره بدلًا من تعريضها لغضبه وانتقامه؟</p><p>إنه يراقبني في صمت ينتظر ليرى ردي، لو أظهرت له أنني خائف عليها، ستكون نقطة ضعف بالنسبة لي، ولو أظهرت أنني غير مكترث بها فلا أضمن ألا ينفذ تهديده.</p><p>«اذهب بموتك إليها فهي في انتظارك»</p><p>قلتها بقوة لا تنبئ عن ترددي في قولها، قلتها مستندًا إلى الاتفاق الذي أبرمته معها قبل أن آتي للمواجهة.</p><p>لم أتوقع أثر كلماتي القوية هذه على يسري، ظننته سيغضب، سيسب، سيضرب، سيفعل أي شيء إلا أن يضحك بارتياح، لم أتوقع هذا منه، ولم أفهمه إلا وضحكاته تختلط بتساؤل مسموم:</p><p>«أيها الغبي هل تظن أن غدير تحبك؟ هل تعتقد أنها تحب شخصًا ضعيفًا جبانًا مثلك؟»</p><p>ماذا يقول هذا المخرف؟ هل يريد أن يوقع بيني وبين غدير العداوة والبغضاء؟ هل يريد أن يفرق بيننا ليسود هو، وينتصر هو، ويبقى هو؟ هل يريد أن يضرب بعضنا ببعض فيصل إلى هدفه بينما يجلس على الأريكة مستمتعًا بمشاهدتنا ونحن يقضي بعضنا على بعض، ويفني بعضنا بعضًا؟ تمامًا مثلما يفعل النظام العالمي الجديد مع الدول العربية.</p><p>ما هذا الهراء الذي يبثه في نفسي؟ ولماذا أستمع له؟ لماذا أعطيه الفرصة ليشكك في حب عمري؟ أي عُمْر؟!! إنني لم ألتقها إلا من أيام.</p><p>إنها لمصيبة إن كان محقًا فيما يقول؛ إنها لكارثة. إنني إذن غبي وغبي جدًا.</p><p>لقد نجح هذا الأحمق في أن يشككني في نفسي وفي محبوبتي وفي قدراتي، هل أراد أن يعود بي إلى نقطة الصفر مجددًا؟ هل أراد أن يسلبني القوة التي تحليت بها اليوم؟ هل يريد أن يعيدني لحالتي الأولى من الوهن والخور والضعف والانهزام النفسي؟ أتراه يريد أن يحطمني معنويًا؟</p><p>دخلت غدير إلى الفيلا تمشي تحت الضوء الخافت الباهت المخيف المقزز، الضوء الذي تسرب ليطعنني في ذكائي، ليطعنني في قدراتي، ليزيد إحباطاتي وآلامي وأوجاعي.</p><p>دخلت غدير إلى الفيلا ونبأ وصولها تلقيته من لسان هذا الشخص البغيض، الذي اتفقت أنا وهي على ألا نستسلم له.</p><p>دخلت غدير ولم تنطق، دخلت غدير ومرت بي كأنها طيف كئيب مرّ من أمامي في خُيَلاء، مُطْلِقَةً نحوي سهمًا مسمومًا من ابتسامات مستفزة، ابتسامات حقيرة، ابتسامات خبيثة، تخرج من نفس شيطانية بامتياز مع مرتبة القرف، ابتساماتها وحدها كانت كفيلة بتحطيمي، ابتسامات مخزية عارية من الإنسانية، مالي أتحطم على صخرة أنثى جديدة؟</p><p>ألم تَكْفِ ضحى وما فعلته بي؟ ولكن ضحى كانت حقيقة أما غدير هذه فوهم، وأي وهم؟</p><p>«من أنتِ أيتها الشيطانة؟ هل أنتِ ابنة ذلك الرجل القابع في المستشفى حقَا؟ هل بعتِ والدك لهؤلاء الأوغاد بهذه السهولة الفجة؟»</p><p>لم أسمع غير ضحكات يسري الشريرة الهازئة، وهو يشير ناحيتها قائلًا في سخرية:</p><p>«ها هي حبيبتك بنفسها تطلب منك أن تستخرج من والدها ما نريد.»</p><p>ضحك مرة أخرى بسماجته نفسها، نظرت نحوها فهزت رأسها موافقة على كلامه.</p><p>أطرقتُ إلى الأرض ودارت بي الفيلاّ عدة دورات، كأنني أصبحت ترسًا في عجلة الوهم أو الحقيقة؛ لا أعرف.</p><p>ما هذه الذكريات التي قرأتها في رأس غدير؟ هل كانت تخدعني بهذه الذكريات؟ إذن فأي ميزة لديّ إذا كانت موهبتي يمكن مراوغتها بهذه الأساليب البشرية البسيطة؟ وما الذي يمكنني فعله الآن ولمن أنتمي وعمن أدافع؟</p><p>وما أدراني أن فؤاد الحداد شخصًا حقيقيًا هو الآخر؟ وما أدراني أنه عالم أصلًا؟ وما أدراني أن يسري ممدوح ليس على حق؟ ما أدراني أنه لا يمثل الجانب الخيّر في الحكاية؟</p><p>ألا يمكن أن يكون كل ما أعيش فيه مجرد وهم أو حقائق معكوسة الصالح فيها هو الطالح والعكس؟</p><p>ماذا أفعل لأخرج من هذا المأزق الغريب؟</p><p>لا بد لي من تغييرٍ كلي في استراتيجية عملي وطريقة تفكيري، لا بد من مراوغة، لا بد من خداع، لا بد من مكيدة، لا بد من التحلي ببعض صفات البشر التي لا أجيدها حتى أتمكن من الخروج من هذه المصيدة ريثما أتوصل لحلٍ كلّي لأزمتي.</p><p>وقفت أمام يسري وكأن شيئًا لم يكن، وكأنني لم أرَ غدير؛ وكأنني لم تصبني صدمة، ولا قشعريرة، ولا مرارة، ولا غُصّة؛ وكأنني لا أقاوم حتى يخرج صوتي صحيحًا غير متهدج؛ وكأنني لا أقاوم حتى أقف معتدلًا غير مهزوز ولا مُنْحَنٍ.</p><p>وقفت أمام يسري وتحدثت إليه بصلابة:</p><p>«سأفعل ما تريد»</p><p>هتف يسري بفرحة.</p><p>«جيد جدًا، كنت متأكدًا من أنك لن تضيع فرصة كهذه، يا صديقي»</p><p>صديقي! الآن أنا صديق لهذا البرميل القذر!!</p><p>تركني أنصرف من الفيلاّ بعد أن أهال على ضميري آخر حفنةٍ من تراب الوعود البراقة بتحقيق كل أحلامي.</p><p>تركتُه ورحلت، وأنا أعرف ما ينبغي عليّ فعله جيدًا، أو لا أعرف على الإطلاق.</p>
<p>زيارةٌ خاطفة إلى المستشفى، تسللٌ إلى داخل أروقتها، وصولٌ إلى غرفة فؤاد الحداد، ما زال هناك قعيد الفراش، أسئلة واستقصاءات عن ابنته، لا أحد يعرفها.</p><p>غدير!! لا أحد يتذكرها.</p><p>من الذي أخبرك أنها ابنته؟</p><p>انصدمت لما تذكرت ما جرى عندما دخلتُ المستشفى أول مرة وتوجهت إلى الاستعلامات لأسأل الموظفة المسئولة، وما فعلتْه غدير وقتها وسط تعجب واستغراب الموظفة، عندما تلقفتني غدير وأخبرتني أنها ابنة فؤاد الحداد.</p><p>من الذي قال لي إنها ابنته؟</p><p>إنها هي نفسها التي قالت لي، لا أحد غيرها، وهذه بداية الخديعة، وما كان مني إلا أن انجررت وراءها بغير تفكير.</p><p>كيف سمحوا لها بأن تبقى معه بالغرفة هكذا؛ وكلما ذهبت وجدتها؟</p><p>سألت عن هذه الفتاة وشرحت لهم مواصفاتها.</p><p>«إنها قريبته من بعيد وتأتي للاطمئنان عليه كل يومٍ ساعةً من النهار وتمضي.»</p><p>ساعة!! أي أنها لا تبقى معه إلا قدر ما أبقى أنا معه، وترحل عندما أرحل، مالي مصدوم وكأن يسري لم يخبرني الحقيقة قبل أن أغادر الفيلا؟</p><p>أخبرني ولكنني لم أصدقه، وأكاد لا أصدق أذني، لا بد أن خللًا أصابها فصارت تلتقط كلامًا غير حقيقي.</p><p>وعيني التي شاهدتَها هناك تدخل كواحدةٍ من أصحاب الفيلاّ؛ كواحدةٍ من أعوان يسري؟!!</p><p>لقد استطاع يسري أن يضرب أكثر من عصفور بحجر؛ تأكّدَ من قدرتي على قراءة الذكريات من خلال ذكريات وهمية افتعلتها غدير في ذاكرتها واستطعتُ قراءتها بالفعل، وكذلك تأكد أن فؤاد الحداد فاقد للذاكرة فعلًا ولا يدعي ذلك للتهرب ممن يلاحقونه، كما عرف كل شيء عني من خلال حكاياتي التي حكيتها لغدير، ناهيك عن أنه زرع عينًا تراقب فؤاد الحداد في المستشفى يوميًا تحت غطاء أنها ابنته أقصد قريبته.</p><p>والآن بضربة نفسية واحدة هزمني، أعادني لقاع الحياة مجددًا، كسر إرادتي، عرضني لصدمة جديدة في غدير، صدمة ذبحتني، وطعنتني في مقتل.</p><p>كنت أعيش من أجلها، وكنت على وشك أن أموت من أجلها، وبعد كل هذا أكتشف أنها مخادعة، وأنا الذي كنت ألوم نفسي وأؤنبني على خيانتي لها ولأبيها وغدري بهما، فإذا به لا هو أبوها ولا هي ابنته ولا أنا أنا.</p><p>والآن ماذا أفعل في هذا الرجل البائس؟</p><p>لم يعد إلا الحل الوحيد الذي توصلت إليه، لم يعد أمامي إلا اختطافه من المستشفى.</p><p>ولكن كيف أفعل ذلك؟ بل ولماذا؟ لماذا لا أذهب للشرطة فأبلغهم بما يجري وحسب؟</p><p>ومن سيصدقك وهذا رجل أعمال شهير ولا يوجد لديك دليل؟</p><p>وقف الدليل عقبة أمامي؛ إذن لابد من إيجاد الدليل.</p><p>لا يوجد دليل إلا الخريطة الأثرية.</p><p>أين يمكن أن تكون؟</p><p>تجاوز عداد عقلي السرعة القانونية وهو يعصف بالأفكار باحثًا عن المكان الذي يمكن أن يكون هذا العجوز قد خبّأ فيه تلك الخريطة، وكادت تحدث حوادث كثيرة في عقلي كلما اصطدمت قاطرة تفكيري بأفكار غير منطقية عن مكان الخريطة المحتمل.</p><p>بدأ عداد سرعة التفكير يصفر في عقلي من فرط سرعته حتى كأنه وصل إلى سرعة الضوء، وإذا بذكرى طارئة تظهر في طريق التفكير كأنها سيارة مسرعة تأتي من الجهة المقابلة تقلّبُ النور وتوشك أن ترتطم بعقلي، لولا أن ضغطت المكابح لتستقر أمامه قبل الاصطدام بلحظة وتقول بصوت اللزج حسن الدهشان:</p><p>«تقصد العجوز الذي أعطاك العصا؟»</p><p>«لم يضربني يا حسن، أتفهم؟! لم يضربني.»</p><p>«العصا التي كان يمسكها ولوّح بها في وجهك في غضب.»</p><p>لقد بدأت أتذكر هذه الذكرى جيدًا؛ إنه الحوار الذي دار بيني وبين حسن الدهشان في اليوم التالي للقائي بفؤاد الحداد في البنك.</p><p>ولكن لماذا تأتيني هذه الذكرى الآن؟ إلى أي شيء تريد أن تقودني؟ إلى شيء تلمح؟ هل بدأ عقلي يهذي من سرعة التفكير الجنونية، ومن كثرة مخالفات السرعة التي حررت له؟</p><p>وقفت أمام فؤاد الحداد المسجى على سرير المرض، تأملته كثيرًا وهو نائم في وداعة، بلا قدمين، وبلا أمل.</p><p>تذكرت حاله عندما دخل عليّ البنك، لقد كان مريضًا منهكًا، ولكن ليس إلى هذه الدرجة، كان رغم ما فيه يمشي، ولو ببطء شديد، كما كان يمشي محمد صبحي مجسدًا عم أيوب في مسرحية الجوكر وهو يردد عبارته الشهيرة «تعالى لحمو يا حبيبي».</p><p>أرى فؤاد الحداد يكاد يقول لي هذه العبارة الآن، وهو يرفع عصاه الغليظة لينهال بها على رأسي.</p><p>أتفادى ضربته التي لم يضربها، فتلوح أمام عيني ذكرياته كلها.</p><p>تدفقت ذكرياته في رأسي بغتة، هل استعاد فؤاد الحداد ذاكرته الليلة؟</p><p>لا يبدو أنه فعلها، ولا يبدو أنه سيفعلها يومًا، إذن من أين جاءت هذه الذكريات؟</p><p>لقد انسابت ذكرياته من رأسي أنا؟ نعم من رأسي أنا.</p><p>ما هذا؟ هل أنا فؤاد الحداد؟ لست هو وأنا متأكد من ذلك؛ إذن فمن أين جاءت ذكرياته.</p><p>لكَمْتُ جبهتي بقبضة يدي حسرةً؛ كيف لم أفطن إلى هذا الأمر من قبل؟</p><p>توجد نسخة كاملة من ذكريات فؤاد محفوظة في رأسي، ألم أقرأ ذكرياته من قبل عندما دخل عندي البنك؟ ألم أعرف أن عليه ديونًا؟ ألم أطلع على كل ما جال بذكرياته قبل أن يلتقيني؟</p><p>يا لها من مفاجأة جميلة، وإن كانت قد تأخرت بعض الوقت نتيجة لغبائي، أو انشغالي، أو عدم اهتمامي، أو عدم رغبتي في معاونة يسري في السطو على ذكريات هذا العجوز البائس.</p><p>عصاه التي رفعها في وجهي ذكرتني بكل شيء، فانسابت ذكرياته من رأسي، حللتها كلها، جعلت أبحث فيها عن الخريطة الأثرية كأنني أبحث عن إبرة في كومة قش.</p><p>أخيرًا وجدتها ملقاة في ركام أفكار فؤاد الحداد، أراه محتارًا أين يخفي تلك الخريطة، مرةً يفكر في إخفائها في بيته ويتراجع فهذا هدف سهل، مرةً يقرر أن يعطيها لصديق ويتراجع، مرةً يفكر في دفنها مجددًا حيث وجدها، مرةً يفكر في إيداعها في المتحف ويتراجع لأنها بلا قيمة حتى الآن، ولن تكون لها قيمة إلا بالوصول إلى المكان الذي تدل عليه ومعرفة الكشف الأثري الذي تبين طريقه.</p><p>وفي الأخير رأيته وهو يقرر أن يودعها في الخزينة التي استأجرها في البنك.</p><p>إذا كان الأمر كذلك فكيف قرأتُ لحظةَ جاءني في البنك أنه يريد تسديد ديونه؟ هل كان يشعر بقرب مصيبة تحل به وأراد أن يضع أوزار الديون عن كاهله؟ أم أنه أراد أن يتخذ من عملية سحب الأموال هذه ستارًا للذهاب إلى البنك في هذا اليوم وبعدها يودع الخريطة في الخزينة.</p><p>لا بد من قراءة متأنية لذكريات ذلك العجوز، ولكن لا بد أيضًا من أن أخفي ما توصلت إليه عن يسري.</p><p>عدتُ إليه في الفيلاّ البغيضة، رأيت غدير فنظرت إليها باحتقار، وتجاوزتها بإهمال إلى أن وقفت أمام يسري مجددًا.</p><p>«إذا كنت تريد مني مساعدة حقيقية فلا بد أن تقول لي الحقيقة»</p><p>«أي حقيقة تريدها يا ناروز؟»</p><p>«ناروووووز، نعم هذا هو، أريد أن أعرف كيف عرفت اسمي يوم أن اختطفتني من الكافيتريا؟»</p><p>وقبل أن يجيب، عاجلته مرددًا عبارةً أخرى قالها يوم اختطافي والآن تذكرتها:</p><p>«…هذان الغبيان كانا يظنان أنه سيحتفظ بالخريطة معه وهو يسير بالشوارع، وبدلًا من أن يجلبا لي منه الخريطة جلبا لي المتاعب، ولك أنت أيضًا»</p><p>أنهيت إعادة مقولته على مسامعه مرةً أخرى بكلماتها كاملة وبلهجته التي قالها بها وسط دهشته، وقبل أن يغير دفة الحوار سألته:</p><p>«كيف جلب هذان الغبيان لي المتاعب؟»</p><p>استمع يسري إلى أسئلتي بتوتر، وكأنه يشعر في قرارة نفسه أن أمره قد افتضح، وما عاد هناك من داعٍ للاستمرار في هذا المسلسل العبثي، أكثر من ذلك، وقال بعد برهة باقتضاب بليغ:</p><p>«ليست الذكريات هي المستهدفة؛ بل وظيفتك.»</p><p> يا لي من أحمق، استدرجني يسري إلى اتجاه قراءة الذكريات، التي يبدو أنه اكتشفها مصادفة، بدلًا من الهدف الحقيقي الذي أراده مني.</p><p>إذن هو لم يضرب ولا عصفور بأي حجر، بل تساقطت العصافير تحت قدميه عارضة خدماتها عليه، يا له من مجرم محظوظ!!</p><p>هدفه الحقيقي كان وظيفتي بالبنك، وهو الهدف الذي على ما يبدو تطلب منه أن يراقبني لمدة، وهذا ظاهر في اللحظة التي اختارها للانقضاض عليّ في تلك الكافيتريا؛ فهي المرة الأولى التي أغير فيها خط سيري ونمط حياتي، كما أن اختطافي من الكافيتريا أمام أعين الجميع وبدون اعتراضٍ مني أو مقاومة لا يشكل خطرًا عليه، بل لا يُسمّى اختطافًا إلا في قاموسي أنا فقط، فَمَنْ المختطف الذي يسير إلى جوار مختطفيه بهذا الهدوء.</p><p>وذلك على عكس اختطافي من شقتي المراقبة بالكاميرات طيلة الوقت، وما يحف بتلك العملية من مخاطر، يبدو أنه لم يكن يريد أن يجلبها لنفسه مبكرًا، أو لم يكن يريد أن يثير الانتباه تجاهه، أو لم يكن يريد أن يربط أحد بينه وبيني وبين فؤاد الحداد زائر البنك العجوز.</p><p>أراد بهذه الخديعة أن يعمي نظري عن التعاون الحقيقي الذي يريده مني، ماذا سيستفيد من قارئ الذكريات إذا كانت الذكريات قد مُحيت من ذاكرة الشخص المطلوب قراءة ذكرياته؟</p><p>خصوصًا وأنه لا يعلم حتى الآن – ولن أقول له بالطبع – إنني وجدت عندي نسخة من ذكريات فؤاد.</p><p>إذن؛ كل ما يريده يسري مني هو خزينة فؤاد الحداد الموجودة بالبنك، ويريدني أن أستخرج منها تلك الخريطة.</p><p>اعترف يسري بمراده الحقيقي مني.</p><p>«ولماذا لم تقل ذلك من البداية؟»</p><p>«ولماذا أقول لك الحقيقة وأنت في كل الأحوال مجبر على تنفيذ أوامري سواء قراءة الذكريات؛ تلك الموهبة العجيبة، أو الوصول لخزينة فؤاد.»</p><p>«وما أدراك أن فؤاد وضع الخريطة في الخزينة؟»</p><p>«لا تُطِلْ في الكلام… منذ عثر فؤاد على الخريطة ونحن نراقبه، مكث يومين في بيته ثم خرج ولم يذهب إلا إلى مكانين بعدما خرج، المكان الأول كان البنك.»</p><p>«والثاني؟»</p><p>سألته هذا السؤال ثم انكمشت من الخجل فكيف أسأل سؤالًا بهذه البلاهة. </p><p>لم أصدقه ولم أكذبه، واكتفيت بتوجيه سؤال مقتضب بضيق شديد:</p><p>«وأنت ماذا تريد مني الآن؟»</p><p>«أنت من ستسهل لنا الحصول على الخريطة من الخزينة.»</p><p>«وكيف ذلك؟»</p><p>«فقط سنأخذ فؤاد الحداد إلى البنك…»</p><p>قاطعته بعصبية.</p><p>«إنه مريض جدًا»</p><p>«أنت تشفق عليه وهذا حقك؛ أما نحن فلا يهمنا إلا الخريطة، أفهمت؟»</p><p>تلقيت أوامره أمرًا تلو الأمر، والغريب أنني لم أعد قادرًا على أن أعصي له أمرًا، لقد كسر إرادتي كسرًا لا ينجبر.</p><p>«سنأخذ فؤاد إلى البنك بدعوى أنه يريد الحصول على شيء من خزينته، وأنت ستتكفل بإقناع إدارة البنك بذلك وإضفاء المصداقية على كلامنا، وأنت أهل لثقتهم، وسترافقه أنت حتى الخزينة بحجة مساعدته على الحركة بالكرسي المتحرك…»</p><p>في الصباح كانت مهمة الوصول إلى الخزينة سهلة للغاية، حتى إنني أمشي في ممرات البنك بثقة مطلقة، وظهر مستقيم، ورأس مرفوع، أمرّ على مكاتب الزملاء أشير إليهم بإشارات متعالية كأنني ألقي عليهم السلام من مرتفع شاهق؛ خصوصًا حسن وضحى.</p><p>واثق الخطوة أمشي وكأنني لا أحمل في يدي شنطة فيها كل محتويات خزينة مسروقة، وكأن الذي أدفعه أمامي بالكرسي المتحرك مدرك لما أفعله وراضٍ عما أقوم به.</p><p>تمت عملية السرقة بنجاح منقطع النظير لدرجة أنني أفكر في تكرارها كل فترة.</p><p>ماذا حدث لضميري؟ هل سيطر عليّ يسري لهذه الدرجة؟ هل برمجني برمجة لغوية عصبية حذفت من ملفات عقلي الأخلاق؟</p><p>وبعد أن استقرت الشنطة ومحتوياتها في يد يسري ورجاله، سألت يسري عن سبب الفكرة التي راودتني عن رغبتي في تكرار السرقة فقال بسخرية:</p><p>«لأنك غبي.»</p><p>لا أعرف لماذا يهينني مجددًا؟ ألم أحقق له رغبته؟ ألم أجلب له الخريطة؟ لماذا يحقر من شأني؟</p><p>ولماذا يأمر رجاله بالالتفاف حولي وتكبيلي؟ ولماذا لا يكبلونني بحبل متين؟ لماذا يصر على تكبيلي بأسلاك حديدية؟ هل يظن أنني أيرون مان؟ ألست غبيًا كما يقول فلماذا إذن هذه الأغلال الحديدية؟</p><p>رغم أنني لم أتكلم ولم أسألهم عن سبب ما يفعلونه بي إلا أنه عاجلني بلكمة، ولكن هذه المرة ليست بقبضة يده وإنما بثقل حديدي، وزعق في وجهي:</p><p>«أين الخريطة أيها المغفل؟»</p><p>لقد استخرجتُ كل الأوراق التي كانت في الخزينة ووضعتها في الشنطة والشنطة معه، وكان كل هذا تحت سمع وبصر رجاله.</p><p>«الخريطة ليست في الشنطة أين أخفيتها؟»</p><p>«أخفيت ماذا؟ دعني وشأني يا يسري فقد أوفيت بوعدي معك، دعني وشأني.»</p><p>«شأنك! وهل لمثلك شأن؟ أمثالك لا شأن لهم، أنت بلا قيمة.»</p><p>رفع يده بالثقل الحديدي اللامع ملوحًا به أمام وجهي مرة أخرى، بدأ عداد سرعة التفكير يصفر في عقلي من فرط سرعته، ظهرت الذكرى كسيارة مسرعة تأتي من الجهة المقابلة تقلّب النور وتوشك أن ترتطم بعقلي لولا أن ضغطت المكابح لتستقر أمامه قبل الاصطدام بلحظة وتقول بصوت اللزج حسن الدهشان:</p><p>«تقصد العجوز الذي أعطاك العصا؟»</p><p>«لم يضربني يا حسن، أتفهم؟! لم يضربني.»</p><p>«العصا التي كان يمسكها ولوّح بها في وجهك في غضب.»</p><p>انهال الثقل الحديدي على رأسي محدثًا صوتًا مزعجًا كصوت احتكاك القطار عند الفرملة، وانهالت مع هذا الثقل ذكريات فؤاد الحداد في رأسي.</p><p>نقبت فيها عن الخريطة مجددًا، أراد فؤاد أن يتخذ من عملية سحب الأموال ستارًا للذهاب إلى البنك في ذلك اليوم وبعدها يودع الخريطة في الخزينة، ولكن أين خبّأ الخريطة إذا كان لم يدخل إلى الخزينة واكتفى بسحب الأموال وغادر البنك؟</p><p>فتشتُ في ذكرياته مجددًا إلى أن عثرت عليها، نعم وجدتها.</p><p>تنساب ذكريات فؤاد وهو يبحث في مواقع التسوق الإلكترونية.</p><p>مقبض مغطى بالفوم الطري، قاعدة قوية رباعية لحفظ التوازن، قابلة للطي والتعديل.</p><p>اشتراها وفور وصولها قام بتفكيك أجزائها، وبعد أن وضع فيها الخريطة أعاد تجميعها، وتوجه إلى البنك والعصا في يده، ولا أحد يشك في وجود خريطة داخل هذه العصا التي أعطاها لي.</p><p>ما هذا؟ لم يكن حسن الدهشان يتهكم أو يسخر مني عندما قال إن العجوز أعطاني العصا؟ لم أفهم قصده وقتها وانفعلت، ونسيت أن فؤاد كان قد قام بطي العصا وأعطانيها حتى يتمكن من تلقي الأموال، ونسيها معي ورحل، وعندما انتبهت لذلك، لحقت به في منتصف البنك وهو يسير سير عم أيوب البطيء، إلا أنه رفض أن يستردها مني وقال لي في ودّ وهو يربت على يدي الممسكة بالعصا:</p><p>«ستحتاج إليها.»</p><p>ظننت وقتها أنه يقصد أنني سأحتاجها عندما أكبر وأصير إلى ما صار إليه من العجز والوهن.</p><p>ولكنني الآن أدركت أنه كان رجلًا حصيفًا ذكيًا، أدرك قدراتي الخارقة فاكتشف أن أقدر شخص على حفظ هذه الخريطة هو أنا، أتمنى أن يكون قراره صائبًا.</p><p>تغيرت قواعد اللعبة مجددًا وعاد التوازن إليها، وبدوت مسيطرًا على الأمر وأنا أحدث يسري بنبرة متماسكة:</p><p>«إذا كنت تريد الخريطة سأعطيها لك، ولكن كف عن هذا العبث.»</p><p>لقد وصفتُ ضرباته لي بالعبث رغم أنه يضربني بثقل حديدي، أو مطاطي يشبه الحديد؛ هذا ما أشعر به مع كل ضربة أتلقاها.</p><p>مرةً أخرى انصرف رجاله عني بعد أن فكوا قيودي بحذر، وعلى الفور اعتدلت في جلستي وأبلغته أن الخريطة موجودة في العصا التي كانت مع فؤاد.</p><p>تعجبتُ من نفسي بشدة؛ لقد كنت عازمًا على ألا أخبره بأنني حصلت على ذكريات فؤاد حتى لا يصل من خلالها إلى الخريطة، فإذا بي أدلُّه على مكان الخريطة مباشرةً وبدون أن أكلفه مجرد عناء البحث.</p><p>لقد بدأتُ أستغرب من تصرفاتي وتناقضاتها المتكررة، كأنني سيارة مقودها في يد الآخرين أو يتم تحريكها بريموت كنترول؛ ألهذا الحد من ضعف الإرادة وصلت؟!</p><p>ورغم تعجب يسري الشديد هو الآخر؛ إلا أنه لم يجد لديه اختيارًا آخر غير تصديقي، فسألني عن مكان هذه العصا، وبعد إجراء بعض الأبحاث في ذاكرتي وجدتها هناك، في شرفتي إلى جوار كوب الشاي الأخير الذي أعددته وتركته مكانه منذ يومين ولم أعد إليه.</p><p>بمجرد تكسيرهم للعصا وجدوا فيها الخريطة، وبمجرد إيجادهم الخريطة وجدوا الشرطة فوق رءوسهم.</p><p>بهتتهم الصدمة، لم ينطقوا إلا يسري الذي قال في أسى:</p><p>«لقد جئنا نصطاده فاصطادنا.»</p><p>نزلوا من شقتي رافعي أيديهم واحدًا تلو الآخر يسري ممدوح العتويل، ومساعداه الغبيان، وحبيبتي الموهومة غدير.</p><p>وقفتُ مع رجال الشرطة أودع هؤلاء المجرمين وهم يساقون إلى محاكمة لن تطول نظرًا لإحكام الأدلة، واكتفيت بنظرة ساخرة هازئة منهم مثلما فعلوا معي من قبل.</p><p>الآن انتصرت عليهم، وصعدت إلى شقتي وشرفتي بانتظاري، وكوب الشاي المفضل عندي ينتظر من يعده ولا أحد يعده غيري.</p><p>بعد قليل رن جرس الباب، توجهت تلقاءه لأفتح للطارق الذي شككت أن يكون أحد رجال الشرطة؛ أو أحد رجال يسري وقد استطاع الإفلات من قبضة الشرطة وجاء للقضاء عليّ.</p><p>دهمني ذهول شديد إذ فتحت الباب فصادف بصري وجهًا مألوفًا بالنسبة لي جدًا، وتضاعف ذهولي أكثر إذ وجدته يسلط نظرة حادة في عيني، كـأنه يريد أن ينومني مغناطيسيًا أو بالإيحاء كما كان يفعل عبد السلام النابلسي، فانكمشت كأنني أذوب من شدة حرارة النظرة التي شعرت أنها اخترقتني ونفذت لأعماقي.</p><p>ولأول مرة أحس أنني كتاب مفتوح أمام أحد، لقد اعتدت أن أكون أنا قارئ الذكريات، والعالم ببواطن نفوس من أمامه؛ إلا في هذه اللحظة كما لو أن الفراغ ابتلعني وألقاني إلى جوف العدم.</p><p>«لقد أنهيت مهمتك التي كلفتك بها بنجاح.»</p><p>تقلصت عضلات وجهي من الصدمة.</p><p>«مهمة‼ كلفتني‼»</p><p>«طبعًا لا تفهم شيئًا. أعرف ذلك؛ ولكنه ليس خطأك… لا تقلق سأتلافى هذه الأخطاء عند ضبط الإعدادات مجددًا.»</p><p>لم أستوعب ما أسمع، عن أية إعدادات يتحدث؟ </p><p>ابتسم وهو يخبرني أنه يعرف ما أفكر فيه جيدًا وقال بنبرة حانية:</p><p>«لابد من منحك بعض الراحة فأنت تعرف أو لا تعرف كم بذلتُ من مجهود معك حتى أصل إلى الحد الذي جعل جهاز الشرطة يستعين بك في عملياته الخاصة؛ بل ويطلبون مني أن أمدهم بعدة نواريز مثلك قادرة على القيام بمهام مستحيلة يعجز عنها البشر.</p><p>صحيح أنك تتمتع بذكاء اصطناعي عالي الجودة؛ إلا أنك مازلت تقع فريسة لخداع البشر بسهولة، وإلا لما استطاع يسري خداعك بعض الوقت، ولكننا أخذنا لك بثأرك منه واستطعنا خداعه نحن أيضًا؛ وأكبر خدعة أننا سهّلنا له الوصول إلى الخريطة من خلالك؛ والآن هو يُسْتَجوب وسيتم التوصل إلى كل المنظومة العالمية التي تعمل من ورائه بغرض سرقة تاريخ هذا البلد.»</p><p>صَمَتَ قليلًا ثم أضاف كأنه يتكلم بصدق: «الآن عُدْ إلى حالة السكون، الآن أغمض عينيك ونَمْ في سلام، واستيقظ مجددًا لتذهب إلى عملك بنشاط… إلى اللقاء يا صديقي.»</p><p>أغمضتُ عيني كما طلب مني، وبعد أن كان يشغلني سؤالٌ واحدٌ هو: «من أنا؟»</p><p>أصبحا سؤالين يترددان في ذهني إن كان لي ذهن.</p><p>«من أنا؟ ومن هو؟»</p><p>أدركت أنني من صدمتي نسيتُ أن أسأله عن اسمه، فهو على أي حال يدعي أنني صديقه، ناديته وهو يهم بالخروج.</p><p>بصوت معدني مكتوم: «يا …»</p><p>لم أجد اسمه في ذاكرتي فهو الوحيد الذي عجزتُ عن قراءة ذكرياته، فاستدار مبتسمًا وقال لي بلطف: </p><p>«حاتم سليم!!»</p>