2020
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف © 2020
حبس انفرادي
إلى الإنسان… أنت لغز الوجود وسؤاله المفتوح؛ تظـهر ثم تغيب، وتغيب لتُبعث من جديد. تسأل ولا تكفّ عن السؤال: من أنا؟ ولماذا كنت؟ وإلى أين المصير؟ وجودك رحلة بـحـث لا تـنـتـهـي، ونهايتك ليست إلا بابًا لسؤال آخر.
<h2 class=”ql-align-center”>[1]</h2><p>الأربـعـــاء 9/8/2023م</p><p class=”ql-align-justify”>شاليه عجيب على البحر مباشرةً بالقرب من هضبة «عجيبة» بمطروح؛ لا يفصله عن البحر سوى بضعة أمتار حتى لتكادُ الأمواج تلطم بابه الحديدي؛ شاليه يعاني من الوحدة والانعزال بعض الشيء، فلا يوجد إلى جواره سوى بضع شاليهات تحت الإنشاء.</p><p class=”ql-align-justify”>وقفوا أمامه يتأملونه؛ مجموعةٌ من الشباب في نهاية العقد الثالث من أعمارهم؛ كانوا صحبةً في الجامعة، تقاذفتهم أمواج الحياة وفرقتهم الأيام ثم عاودوا التواصل مع بعضهم البعض، وكان لمواقع التفاعل الاجتماعي الجديدة الفضل في ذلك. قرروا قضاء بعض أيام صيفهم في شرم الشيخ؛ إلا أن أحدهم أصرّ على أن يستبدلوها بمطروح؛ فكرةٌ لاقت قبولاً من الجميع خصوصًا بعد أن شوّقهم لزيارة متحف رومل، وحمام كليوباترا! ووعدهم بزيارة متحف العلمين.</p><p class=”ql-align-justify”>مياه زرقاء صافية وهدوء شديد، لن يُـزعجهم أحد في هذا المكان بالتأكيد؛ إنها الطمأنينة النفسية التي يبحثون عنها؛ ورغم ذلك فإن منظر الشاليه من الخارج يبُثّ في نفس الناظر إليه رهبةً لا يدري لها سبباً محدداً؛ ولكن ربّما شكله الهرمي الغريب هو السبب؛ أو ربما الحجارة التي بُنِيَ منها، والتي اتخذت أشكالاً غريبة؛ فحجرٌ يتلوّى على شكلِ ثعبان، وحجرٌ يوشك أن يـفـرّ هارباً كفأرٍ مذعور، وحجرٌ كأسـدٍ فاغـر فاه كأنه يوشك أن يلتهمهم!</p><p class=”ql-align-justify”>هذه الأحجار الغريبة لفتت انتباه «إبــراهـيـم» أكثر من الآخرين؛ فهو بطبعه مدقق، وقد اشتعل الخوف فيه، ولكنّه أضمره في نفسه، ولم يُبده لرفقائه؛ فهو لا يمكن أن يظهر بمظهر الخائف مطلقاً؛ فكيف يخاف وهو يؤمن بأن الخوف صنعه الإنسان؟ وكما يقول دائماً «الخوف أكبر مقلب تاريخي عمله الإنسان في نفسه»، فكيف يخاف إذن وهو لا يؤمن بالخوف؟ بل لا يؤمن بشيء على الإطلاق، أو بمعنى آخر يؤمن باللاشيء!</p><p class=”ql-align-justify”>أصدقاؤه يصفونه بأنه «ملحد»؛ وهو الوصف الذي لا يروقه؛ ولكنّهُ اعتاده على أي حال.</p><p class=”ql-align-justify”>نَفض إبــراهـيـم الخوف من رأسه، وابتسم للأسـد الموشك على ابتلاعه وهو يدخل الشاليه حاملاً بعض الحقائب.</p><p class=”ql-align-justify”>الشاليه من طابقين؛ ثلاثة غرف بالأسفل، واثنان بالأعلى.</p><p class=”ql-align-justify”>أنـهـوا إدخال حقائبهم ومتعلقاتهم واحداً تلو الآخر، وأخـذ إبراهيم ووائل يتجولان في الشاليه، وظهرا كأنهما يقارنان بينه في حقيقته وبين الصور التي شاهدوها على الانترنت قبل أن ينجحوا في حجزه بصعوبة، وبدا عدم الرضا والتوجس على وجوههم؛ بينما جلس نادر ومحمود ويوسف يتبادلون أطراف الحديث في الصالون الموجود بالطابق السفلي.</p><p class=”ql-align-justify”>صعد وائل إلى الطابق العلوى، بينما وجد إبراهيمُ باباً موصداً في آخر الطابق السفلي من الناحية العكسية لباب الشاليه الرئيسي الذي دخلوا منه والمطل على البحر مباشرة، وفي وسط هذا الباب يوجد مقبض على شكل أسد مـصـغـر للأسد الذي رآه في واجهة الشاليه، لونه ذهبي وعيناه لامعتان؛ دفعه فضولُه إلى محاولة فتح هذا الباب، حاول أكثر من مــرةٍ دون جدوى إلى أن أصابه الملل فقرع الباب بيده في إحباط ويأس، أهاجت ضرباتُ يده المتتالية على الباب الكثير من الغبار الذي يبدو متراكماً منذ مدة طويلة، نفض الغبار من يـده كأنه يصفق، عاود الطرق مجدداً وكأنه يلهو، فبدأ الباب ينفتح من تلقاء نفسه.</p><p class=”ql-align-justify”>وقف إبراهيمُ مذهولاً مما جرى، وفي لحظة إقلاع الباب الأولى أصدرت مفصلاته أنيناً، وقع في أذن إبراهيم كصوت السكين حين يتم حدُّ شفرته، شكّ إبراهيم إنْ كان الصوت صادراً عن الباب أم من الداخل، توهّم إبراهيم أن هناك من يحدُّ شفرة سكينٍ بالداخل، انتابه خوفٌ شديد؛ وتساءل في نفسه:</p><p><em>«ألسنا وحدنا في هذا الشاليه؟ فمن وراء هذا الباب؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كان إبراهيم يُحلّل كــلّ كبيرةٍ وصغيرة، ولا يترك شيئا يمرُّ عليه دون أن يضع عليه بصمته الفكرية.</p><p class=”ql-align-justify”>تقافزت مقلتاه تلهفاً لرؤية ما وراء الباب، حال الظلام الشديد دون ذلك، شرع إبراهيم في التغلب على خوفه، وبدأ يدخل من الباب، وما إن وضع قدمه اليسرى وراء الباب حتى أحسّ بفراغٍ كبير، وبدا له أن ما وراء الباب هوةٌ سحيقة، وخُيّل إليه أنه إن دخل فسيسقط من مكان مرتفع؛ ولكنه تساءل في نفسه:</p><p><em>«أين سأسقط؟ نحن في شاليه، أقصى ما يمكن أن يوجد هنا حفرة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم ابتسم ساخراً وهو يحدّث نفسه:</p><p><em>«ربما تكون حفرة لدفن الموتى؛ هذا بافتراض أن الشاليه ما هو إلا وكر مجرمين يشبهون إلى حـدٍ كبير أسطورة ريّا وسكينة؛ يستدرجون ضحاياهم بالحجز لهم فيه، ثم بعدها يقتلونهم ويسلبون منهم أشياءهم الثمينة! ولكنّنا لا نملك ذلك الشئ الثمين الذي يصلح أن يكون مطمعاً لأحد؛ ربما حفرة حفرها أحد المهووسين بالبحث عن الآثار أسفل بيوتهم، وأغلبهم يموتون داخل هذه الحفر بعد أن ينهار عليهم البناء بأسره، كأنه يعلن غضبه مما يفعلون».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ابتسم متعجباً:</p><p><em>«آثار على شاطئ البحر!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>شجّع نفسه ودخل فجأة إلى هذا المكان، وبدلاً من أن يسقط كما كان يظن، أحسّ بأنه يطير في الهواء، أو يسبح، وليس حوله سوى فراغٍ مظلم، حاول أن يمشي فوجد قدميه معطلتين، أو لا تقويان على حمله، ثم اكتشف أنه لم يعد بحاجة لقدميه بعد الآن؛ فلقد استطاع أن يتحرك في هذا المكان بدونهما، وكأنه طافٍ على سطح الماء، ولكن دون ماء، ولا نور؛ إنما في ظلامٍ دامس.</p><p class=”ql-align-justify”>أحس بخفّته وقدرته على الحركة بطريقة سلسة، والانتقال من مكان لآخر دون بذل جهـد أو استنزاف طاقة، بـدأ يستكشف المكان من حوله، فوجئ حين وجـد نجمةً من تلك النجوم التي كان يراها في السماء تمرّ بجواره؛ بل وجد نفسه في السماء نفسها بكل تفاصيلها؛ القمر أسفل منه، وكواكب المجموعة الشمسية كاملة تحيط به، بل بدأ يصعد للأعلى حتى خرج من مجـرّة درب التبانة في لمحٍ البصر.</p><p class=”ql-align-justify”>تضاربت مشاعرُه؛ سكينة وسلام، خوف وترقب، طمأنينة وهدوء، ينازعهما قلق جسيم، تذكر بعض خبراته ومعلوماته السابقة فأدرك أنه بمفهوم الأرض ربما يُطلق عليه الآن لقب ميّت، ولكن هل هذا حقاً هو الموت؟ هل سقط في حفرة عميقة أردته قتيلاً في الحال؟! أم أن ذلك المجهول الذي كان يحد شفرة سكينه هو السبب؟! إنه يشعر بكل شيء، فكل شيء حقيقي أكثر من الحقيقة ذاتها؛ هو على يقين من أنه في السماء، ولكنه ليس متيقناً إن كان حياً أم ميتاً؟!</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[2]</h2><p class=”ql-align-justify”>السُلّمُ الخشبي الذي يربط الطابق العلوي بالسفلي ملتوٍ كأنه ثعبان، وبالأدق إذا أتيحت الفرصة لرؤيته من مكانٍ بعيد بحيث تُرى صورة كلية فلن يُرى سوى هذا الثعبان القابع على أحجار الشاليه من الخارج، هـو نفسه؛ ذيله بالأسفل وبالأعلى فمه وكأن بقية الممر الواصل بين السلم والغرف العلوية هو لسانه.</p><p class=”ql-align-justify”>وقف وائل على أول درجة من درجات السُلّم، وبدا متأهباً للنزول، لكنّ شيئا استوقفه؛ إذ خُيـّـل إليه أنه يرى ثعباناً فاغراً فاه، دقق النظر فإذا بكساء قشري لأحد الثعابين الصغيرة ملقىً على الأرض، عاد إلى الخلف خطوتين، قطّب جبينه حتى كاد حاجباه يتلامسان من فرط تركيزه، جـثـا على ركبتيه متأملاً، بدأ يُحدث نفسه بصوت أقرب للتمتمة:</p><p><em>«تصميم السُلم غَريب!!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>انتبه لوضع جسده وهو مطرقٌ للأرض وكأنه يتكلم مع السُلّم فابتسم؛ خشي أن لو رآه أحد أصدقائه فلن يسلم من سخريتهم طوال الدهر، نفخ كساء الثعبان الصغير فتبدد في الهواء كأنه ما كان ثوب ثعبان إنما بعض بقايا ورقٍ محترق، انتفض واقفاً وخُيّل إليه للحظة أن السُلم انتفض كانتفاضته؛ لكنه أزاح هذا التصور سريعًا من مخيلته بكل بساطة.</p><p class=”ql-align-justify”>أقدم وائل على النزول، وهو يقلّب الأمر في رأسه، ويتعجب من مصمم هذا السلم، والسبب وراء هذا التصميم. وضع قدمه اليمنى على أول درجة، فسمع صوتاً خافتا للغاية، شعر أنه سمع هذا الصوت من قبل، ربما سمعه عند صعوده السلم أول مرة؛ صوتٌ يشبه فحيح ثعبان مكتوم، استقرت قدمه على السُلم فأتبعها الأخرى، وبدأ في النزول وهو لا يُلقي بالاً للصوت الذي سمعه، ولا لتلوّي السُّلم تحت قدميه، فالطبيعي أن مثل هذا السلم الخشبي لا بد أن يصدر أصواتاً بمضي السنين؛ بل من حقه أن يعزف سيمفونية حزينة.</p><p class=”ql-align-justify”>ما إن وصل وائل إلى منتصف السلم عند المنطقة الملتوية حتى ظنّ أن هذا السلم قد ابتلعه، ابتسم من هذه الفكرة التي راودته وهو يتابع النزول إلى أن وصل لآخر درجة، حاول حينها أن يضع قدمه على أرض الطابق السفلي فلم يستطع، أحسّ بوجود حاجز خفيّ يمنعه من ذلك، عاود محاولة إخراج قدمه من السلم فلم يمكنه ذلك، كرّر هذا الأمر أكثر من مرة دون فائدة، صعد مسرعاً للأعلى وفوجئ بعدم تمكنه من مغادرة السلم لا من الأعلى ولا من الأسفل، أيقن أنه قد تم حبسه في هذا السلم، أخذ يُفكر في حلّ، أخرج هاتفه المحمول من جيبه، اكتشف أنه ليس به إشارة، حاول الاتصال بالطوارئ فلم يستجب الهاتف.</p><p class=”ql-align-justify”>راح يصعد وينزل أكثر من مرة رغماً عنه وفي كل مرة يحاول الانفلات من السُلم حتى أُجْهِد جسدُه من كثرة النزول والصعود على الرغم من عضلاته المفتولة ولياقته البدنية العالية.</p><p class=”ql-align-justify”>أحسّ أن جانبي السلم الخشبي بدءا يضيقان عليه ويتسعان، ينقبضان وينبسطان؛ أحس بدُوارٍ أصاب رأسه، وعلى الرغم من قوة تحمله؛ إلا أنه لم يصمد سوى خمس دقائق، وخمس دقائق كافية لأن يفقد الوعي تماماً أو إلى الأبد.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[3]</h2><p class=”ql-align-justify”>كان كلّ هذا يجري بينما نادر ومحمود ويوسف ما يزالون جالسين في صالون الطابق السفلي، لم يشعروا بشيءٍ مما حدث، فلقد دبّت خلافات كثيرة في الرأي فيما بينهم، ويبدو أن عدم تواصلهم مع بعضهم البعض لسنوات قد أخفى عنهم بعض التغيرات التي طرأت على أفكار كل منهم، وهو ما سبب اصطداماً واحتداماً للصراع الفكري والجدلي بينهما، فجلسوا منهمكين في نقاشٍ ساخن أنهاه يوسف بقوله:</p><p><em>«لم نأت إلى هنا لنتجادل ونتناحر، دعوا عنكم كل هذا واستمتعوا بأوقاتكم، دعونا نلهو قليلا ونفــرغ رؤوسنا مما فيها».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أجابه محمود:</p><p><em>«ألا تسمع يا يوسف ما يقول؟ إنه ينكر وجود الجن!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>احتدّ نادر وبدا كأنّه يقفز من مكانه وهو يقول في عصبية:</p><p><em>«لم أنكر وجود الجن يا محمود من فضلك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم أضاف بعد أن ارتسمت ابتسامة هازئة على شفتيه:</p><p><em>«أنا أنكر وجود كلّ ما لم أره، كلّ ما ألم أسمعه، ما لم ألمسه، ما لم أحسه، أو أتذوقه، أو أشمه؛ أنكر وجود كل ما لا وجود له».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كاد محمود أن يتطاير من مقعده كأنّه حممُ بركانٍ ثائر، ثم تمالك نفسه ونظر ليوسف في عتاب وهو يقول له:</p><p><em>«أرأيت؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم أضاف وهو ينظر لنادر من طرف خفي:</p><p><em>«إنه ينكر كل شيء يا يوسف! لم يبق إلا أن ينكر وجودي ووجودك!!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها محمود وضحك وظنّ أن يوسف سيشاركه الضحك؛ فهو يعلم تماماً أن يوسف يشاركه الرأي وينكر على نادر ما يقول؛ ولكنّ يوسف تفكر ملياً ووضع يده اليمنى أسفل ذقنه ونظر لأعلى ناحية اليسار ثم قال:</p><p><em>«عموماً يا محمود هذا أمر يحتاج بحثاً وتدقيقاً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ذُهل محمود من ردة فعل يوسف، وامتقع وجهه كأنه قد خُذل؛ بينما انتشى نادر بما قاله يوسف، وفكّر في نفسه أن الحُجج التي ساقها طوال حديثهم لا بد أنها أقنعت يوسف أو على الأقل أثارت بداخله الشكوك، ويرى نادر أن إثارة الشكوك تقود إلى الحقيقة.</p><p class=”ql-align-justify”>أطرق محمود إلى الأرض في حزن؛ حاول يوسف أن يخرج بهم من هذا الجوّ المتوتر فاقترح أن يخرجوا ليجلسوا أمام البحر؛ ربما تهدأ أعصابهم قليلاً، استجاب نادر ونهض على الفور فقد أصبح مرتاحاً ليوسف، بينما بقي محمود في مقعده منكمشاً على نفسه وقال:</p><p><em>«سألحق بكما.. أو ربما أنام قليلاً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فقال له نادر متودداً:</p><p><em>«حاول أن تلحق بنا، ولا تغضب مني يا صديقي فهذا هو أسلوبي في الحوار، لكني لا أقصد أن أسخر منك». </em></p><p class=”ql-align-justify”>حرّك محمود رأسه متفهماً.</p><p class=”ql-align-justify”>مضى نادر ويوسف إلى الخارج، فتبعتهم نظرةٌ من محمود مِلؤُها الأسى، وظل جالساً يفكر في الحوار الذي جرى بينه وبين نادر، وراح يعيد كل العبارات التي قيلت منه أو من نادر، شعـر بعدم الرضا عن بعض العبارات التي قالها، فأحسّ بوخز في ضميره تسارعت معه ضربات قلبه رغم أنه لم يبرح مكانه؛ أخذ يُعدّل – في مخيلته- هذه العبارة ويحذف تلك، كان يظنّ أنه قادرٌ على الجدال والمناظرة والإقناع، خاب ظنّه عندما أبدى يوسف رأيه متحيزاً لنادر، أيقن أن نادر قد تغلب عليه في هذه المناظرة، أصابه يأس شديد؛ فقد كان يعتبر نفسه مالكاً للحقيقة، مدافعاً عنها، والآن عجز عن الدفاع عن هذه الحقيقة، وعجز عن جذب يوسف إلى جانبه، رغم أنه مؤمنٌ مثله، وقد خشي محمود أن هزيمته تكون قد تسببت في زعزعة إيمان يوسف.</p><p class=”ql-align-justify”>رفع محمود رأسه ليستنشق بعض الهواء علّه يهدأ قليلاً ويستطيع اللحاق بهما في الخارج؛ أخذ نفساً عميقاً للغاية حتى كادت رئتاه أن تنفجران من كمية الهواء التي دخلت إليهما على غير العادة، ضغط على شفته السفلى بأسنانه حانقاً، ثم نهض واقفاً في تحدٍ وقرّر الذهاب إلى نادر ومواصلة الحوار، لم يكد يتحرك من مكانه حتى لفت انتباهه شيءٌ صغيرٌ جداً مـرّ من أمامه كلمح البرق دون أن يتمكن من تـبَـيُّـن كُنهه، اتسعت حدقتا عينيه للحظة أملاً في التقاط صورته، فلم يستطع سوى أن يحدد الاتجاه الذي ذهب منه هذا الشيء الصغير، فقرر أن يتبعه؛ فتحرك باتجاه الناحية اليمنى من الشاليه حيث يوجد المطبخ والحمام، قطع الممر الموصل إليهما بحركةٍ سريعة في ثوانٍ معدودة.</p><p class=”ql-align-justify”>قـرّر البدء بالبحث في المطبخ، قلب المطبخ رأساً على عقب ولم يعثر على شيء، خلّف وراءه الأواني مُلقاةً على الأرض محدثةً أصواتاً وجلبةً كأنهنّ يتعاركن.</p><p class=”ql-align-justify”>انتقل إلى الحمام وتفحّص كل ركن فيه، فلم يصل لشيء، فاطمأن قليلاً.</p><p class=”ql-align-justify”>همّ بمغادرة الحمام وهو يحرّك رأسه متعجباً وقد ارتفع حاجباه تلقائياً، وجعل يردد في نفسه:</p><p><em>«أين هو هذا الشيء؟!</em> <em>أنا أكره الحشرات الصغيرة والحيوانات الصغيرة وكل ما هو صغير بذيل أو جناحين، هذه الفوبيا الملازمة لي من الصغر».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم تكد قدمه اليمنى تفارق عتبة باب الحمام، حتى سنحت منه التفاتة ناحية الباب، فوقف مصدوماً ولم يتزحزح كأنّ قدماه قد التصقتا بالأرض بغراء، فاستدار بوجهه دون بقية جسده، وأمعن النظر في باب الحمام الخشبي ذي النقوش الغريبة التي تشبه حساب المثلثات، وكأن أحداَ كان يذاكر للتوّ على هذا الباب الذي كان مفتوحاً ومسنوداً على حائط الحمام الداخلي.</p><p class=”ql-align-justify”> شَخصَ بصرُه، وثـُبّـتـت عيناه على الباب رغماً عنه، وتمتم في هلعٍ بصوت متحشرج غير مسموعٍ ودون أن يخرج من جوفه حرف واحد من مخرجه الصحيح:</p><p><em>«لـــقــــد وجــــــدتُـــه!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كان ينبغي أن يكون سعيداً لأنه وجد ما كان يبحث عنه؛ ذلك الشيء الصغير؛ ولكن على عكس المتوقع غــزا الفزعُ والألمُ وجهه.</p><p class=”ql-align-justify”>فـــأرٌ مـــذعـــورٌ يــبــدو كأنه يـلــوذ بــالـفــرار.</p><p class=”ql-align-justify”>ليست صورةً مرسومةً على باب الحمام، ولا نقشاً محفوراً فيه؛ إنه حقيقي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يبدو كجزءٍ من تصميم الباب، ورغم ذلك فإن لونه رمادي بينما لون الباب بُني، طولُه لا يتعدى خمسة عشر سنتيمتراً، وأغلب هذا الطول موجود في ذيله الرفيع، الذي يبدو كأنه ســوط.</p><p class=”ql-align-justify”>ظــلّ محمود واقفاً لا يستطيع الحركة؛ جسدُه متجه تجاه الممر الواقع خارج الحمام، ورأسه موجه للوراء، وعيناه شاخصتان ناحية الباب، وعقله عاجز عن صياغة جملة واحدة أو حتى كلمة، ولسانه فاقد للقدرة على النطق، وشفتاه ترتعشان.</p><p class=”ql-align-justify”>تـمــــــدّد ذيـــلُ هذا الفأر المذعور.</p><p class=”ql-align-justify”>فارق مكانه بالباب.</p><p class=”ql-align-justify”>ضربة سوطٍ قوية!</p><p class=”ql-align-justify”>التفّ حول رقبة محمود.</p><p class=”ql-align-justify”>اختنق.. احتقن وجهه.. وجحظت عيناه. </p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[4]</h2><p class=”ql-align-justify”>قاربت الساعة على الثالثة وخمسة وثلاثين دقيقة فجراً بينما يوسف ونادر مازالا يجلسان على الرمال أمام البحر مباشرة يتنعمان بالهدوء؛ هما في معزلٍ عن العالم وصخبه وضوضائه، وحتى عـمّا يجري مع أصدقائهم داخل الشاليه.</p><p class=”ql-align-justify”>جعلا يتبادلان أطراف الحديث؛ وبينما يوسف مستلقٍ على ظهره ناظراً للقمر، خُيل إليه أن لونه أحمرٌ دموي، وهو في الحقيقة برتقالي مائلٌ للحُمرة، استرعى هذا الشكل الدموي للقمر انتباه يوسف، فبادر بسؤال نادر عنه؛ فأجابه:</p><p><em>«هذا هو قمر الذئب الدموي العملاق».</em></p><p><em>«وماذا يعني هذا؟!».</em></p><p><em>«لا شيء؛ فقط خسوف كلي للقمر يحدث عندما يتعامد القمر مع الشمس والأرض، فيصطبغ باللون الأحمر».</em></p><p><em>«فقط خسوف؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>خرجت كلمة خسوف من فم يوسف مصحوبة بتنهيدة طويلة كأنه اطمأن.</p><p class=”ql-align-justify”>ثم استمر نادر قائلاً:</p><p><em>«ولكن البعض يربط بين هذا الحدث وبين أحداث مهمة قد تصاحبه؛ بعضهم يردد أقوالاً عن تغيير جذري في الشرق الأوسط، بعض الشعوب تدّعي أن انتصاراتهم تحدث بالمزامنة له، وهناك من يقول إن هذا الحدث يشير إلى نهاية العالم!!».</em></p><p><em>«نهاية العالم!». </em></p><p class=”ql-align-justify”>رددها يوسف خلفه بتأمل ثم أضاف:</p><p><em>«لا أهتم لهذا الأمر كثيرا، ولا تعنيني نهاية العالم، فالشيء المؤكد هو أن الإنسان نفسه ينتهي ومن الأفضل له أن يهتم لنهايته، والتي هي أقرب له من نهاية العالم».</em></p><p class=”ql-align-justify”>مضت بعدها دقيقتان من الصمت ويوسف غارقٌ في تأملاته وهو ما يزال محدقاً في القمر الأحمر، ثم استدار بغتةً واتكأ على يده اليسرى مواجها لنادر، وسأله:</p><p><em>«ولكن، لماذا لا تؤمن بالخالق يا نادر؟!».</em></p><p><em>”الخالق؟! الخالق يعني أنه هو من أنشأ شيئاً لم يكن موجوداً من قبل، فماذا أنشأ الخالق حتى نؤمن به؟”.</em></p><p class=”ql-align-justify”>أجابه يوسف:</p><p><em>«أنشأني وأنشأك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>احتد نادر:</p><p><em>«هذه مغالطة يا عزيزي، نحن نشأنا نتيجة تطور الكائنات الحيّة؛ تطوّرنا إلى أن وصلنا إلى هذا الشكل الذي نحن عليه الآن، وهذا التطور استغرق ملايين السنين؛ فأين الخالق في كل هذا؟».</em></p><p><em>«سأسلم معك بأننا تطورنا ولكن من أي شيء حدث هذا التطور؟».</em></p><p><em>«بالطبع من الخلية الأولى».</em></p><p><em>«جميل… إذن فيبقى السؤال كما هو من أين جاءت الخلية الأولى؟!».</em></p><p><em>«تكونت تلقائياً ودون تدخل من أحد».</em></p><p><em>«ولكن الخلية معقدة للدرجة التي يستحيل معها أن تتكون تلقائياً أو بطريقة عشوائية؛ فالخليّة الحيّة بشكلٍ عام يا صديقي رغم أنها متناهية في الصغر إلا أنّها عالمٌ قائمٌ بذاته وهي تشبه مجموعة من المصانع بداخلها شفرة معلوماتية، وبرمجة واتصالات وتعليمات وأوامر غاية في الدقة؛ فالخليّة الحيّة هي بناء أشد تعقيداً من كل الآثار التي شيدها الانسان؛ فكيف لكلّ هذا النظام المُعقّد أن ينشأ بالصدفة؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>دقق يوسف النظر في وجه نادر فرآه يتأمّل فيما يقوله مفكراً، فأتاح له قليلاً من الوقت والصمت ليفكر فيما سمع، ثم أضاف بعد برهة:</p><p><em>«وإذا أحببت نفي هذا فلا مانع عندي؛ ولكن لابد أن تجيب على تساؤل آخر: هناك في الأمد البعيد وقبل مليارات السنين كيف ومن أين أتت الغازات التي تفاعلت مع بعضها لتوجد الخلية الأولى؛ الأمونيا والميثان والهيدروجين، وربما غازات أخرى؟ من أين أتى الماء؟ من أين أتت الشحنة الكهربية الأولى المسماة بالبرق؟ بل لماذا تضافرت جهودهم جميعا لإنتاج كائن حي؟ وكيف تراكبوا بالدقة المطلوبة لإنتاج أحماض أمينية بالقدر اللازم لإنشاء بروتينات تصلح لإنشاء خلية، وأحماض نووية ريبية</em>RNA <em> لازمة لوجود هذه الخلية؟ كيف حدث كل هذا؟ هل يمكن للصدفة أن تفسر هذا التناغم العجيب؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قرر نادر أن يخرج عن صمته فتساءل:</p><p><em>«ولكنْ! ماذا لو استطاع العلماء صناعة خليّة حيّة من مجرد تفاعلات كيميائية وبدون تدخل؛ ألا يُعد هذا دليلاً على أنّ الخلية الأولى نشأت من مجرد تفاعلات كيميائية أيضًا ولا وجود للخالق وقتها؟».</em></p><p><em>«بل العكس هو الصحيح؛ فلو استطاع العلماء إيجاد خلية حية من مجرد تفاعل مواد كيميائية دون تدخل؛ فإن هذه التجربة ذاتها التي قاموا بها ستكون هي السبب في وجود هذه الخلية الحية؛ وبالتالي فإن من سيقوم بإجراء هذه التجربة وتحضير مكوناتها وتهيئة الظروف المناسبة لتفاعلها مع بعضها سيكون هو الذي صنع هذا الكائن الحي؛ وبالقياس على ذلك فلابد أن يكون التفاعل الكيميائي الأول الذي حدث على الأرض وراءه صانع».</em></p><p class=”ql-align-justify”>بدا نادر شديد التركيز، وانطبع ذلك على وجهه حيث تدلى حاجباه للأسفل بشدة، ومُـطّت شفتاه للأمام وضُيّقت عيناه حتى كادتا تنغلقان، فظهر وجهه وكأنه يتضاءل من فرط تركيزه، وبعد فترة صمت وسكون قال:</p><p><em>«ولكن! يمكنني أن أقول لك يا يوسف من أين أتت الغازات والماء والبرق في البداية؛ بل يمكنني أن أقول لك من أين أتى الكون نفسه والتي هي كلها جزء منه”.</em></p><p><em>«جميل جداً… ومن أين أتى الكون؟».</em></p><p><em>«من لا شيء! كل هذا الكون الذي تراه نشأ من الفضاء الفارغ دون أن يقوم أي أحد بإيجاده».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها نادر ببساطته المعهودة ولكن رده هذا لم يُثـر حفيظة يوسف إنما فقط سأله مستفهماً:</p><p><em>«ولكن هل تظن أن إجابتك هذه أنهت المسألة؟! بالعكس لقد أضافت سؤالا جديداً هو: هل الفضاء الفارغ هذا كان ساكنا أم كانت فيه حركة؟».</em></p><p><em>«أعتقد أنه كان ساكناً بلا حركة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ابتسم يوسف وهو يقول:</p><p><em>«يا صديقي! إذا كان الفضاءُ الفارغ في بدايته ساكناً كما تقول بينما الكون الذي نراه الآن متحرك بل يعج بالحركة؛ إذن فقد تحول الفضاء الفارغ الساكن في زمنٍ ما من السكون إلى الحركة وهنا سؤال يطرح نفسه: من أين جاءت الحركة الأولى؟ ومن الذي قام بها؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تحيّر نادر برهةً من الزمن وبدا مشتتاً وكأن أفكاره تتلاطم كموج في ظلمات بحر بداخله بركان يفور؛ ثم نطق بحذر وترقب:</p><p><em>«ربما كان ذلك الفضاء الفارغ فيه حركة في ذاته».</em></p><p><em>«إذن لم يكن فضاءً ولم يكن فارغاً! يا صديقي في الحالتين الحقيقة واحدة سواء نشأت حركة من سكون أو كانت الحركة موجودة ذاتياً في الفضاء الفارغ؛ ففي الحالتين يبقى التساؤل كما هو: من أين جاءت هذه الحركة؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أطرق نادر إلى الرمال التي اكتست تماماً بلون برتقالي مائل للحمرة؛ وبدأ يتسلل إلى نفسه شعور بعدم منطقية فكرته؛ عصر ذهنه كثيراً حتى يحصل على أية إجابة مقنعة لهذ التساؤل فلم يجد إلا إجابة واحدة «الخالق»؛ ولكنه هـــزّ رأسه بعنف كأنه يريد أن يطرد هذه الفكرة منها؛ ثم رفع رأسه قليلا ونظر إلى يوسف فوجده ما يزال منتظرا إجابته؛ فقرر أن ينهي الحوار عند هذا الحد بقوله:</p><p><em>«الآن لا أعرف، ولكن يوماً ما سأعرف».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تبسّم يوسف وهو يمازحه قائلاً:</p><p><em>«(احذر جزيرة يوماً ما) لقد ذكرتني الآن يا صديقي بتلك الجزيرة الخيالية في البحر التي يسميها الكاتب الإنجليزي دينيس ويتلي بجزيرة يوماً ما؛ حقاً لقد كان ستيف تشاندلر على حق في كتابه مائة طريقة لتحفيز نفسك عندما قال إن الكثيرين يعتقدون أن مباراة الحياة لا نهاية لها؛ وأنا واحد من هؤلاء. فهل تظن أنك واحد منهم أيضاً؟».</em></p><p><em>«ربما».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها نادر وهو يشاركه التبسم؛ ولكنّه تبسم مجهد بعد يومٍ شاقٍ من السفر والسهر والحوار الطويل. رغب كلاهما في الراحة، فنهضا ليدخلا إلى الشاليه ليرتاحا قليلا قبل أن يدركهما ضوء النهار الذي بات وشيكا، وقد بدا ذلك واضحاً على القمر الدموي الذي بدأ يحزم أمتعته ويرحل.</p><p class=”ql-align-justify”>وقف كلاهما وبدءا في مـطّ جسديهما لتجري فيهما الدماء بعد جلسة طويلة، وأثناء ذلك استرعى شكل الشاليه انتباه نادر وكأنه لم يره من قبل؛ فللمرة الأولى ينتبه إلى أن الشاليه ذو شكل هرمي، أو كأنه نسخة مصغـّـرة من أحد أهرامات الجيزة الثلاثة، أو ربما هو أحدهم فــرّ من الحر الشديد وجاء يمضي بعض الوقت على شاطئ البحر، ابتسم نادر لهذه الفكرة.</p><p class=”ql-align-justify”>ولكنّه أيضاً فهم في هذه اللحظة التساؤل الذي طرأ على ذهنه بعد أن قرأ وصف الشاليه على الانترنت وهم في طريقهم إليه «لماذا بالطابق السفلي من الشاليه يوجد ثلاثة غرف والمطبخ والحمام والصالون، بينما الطابق العلوي لم يكن فيه سوى غرفتين فقط»، أدرك عندها أن هذا راجع إلى أن تصميم الشاليه على شكل هرم يجعله واسعا من الأسفل ضيقا من الأعلى.</p><p class=”ql-align-justify”>دارت هذه الأفكار برأس نادر في لحظة سريعة، وانتشى لأنه وجد الإجابة، ولكنها أثارت بداخله سؤالا آخر «لماذا بُني الشاليه على شكل هرم بالأساس؟» لم يجد إجابة مناسبة فأرجأ التفكير في هذا الأمر من شدة إرهاقه وتعبه، ثم خطا هو ويوسف خطوات ثقيلة نحو الشاليه، وتركت أقدامهما علامات وآثار عميقة في الرمال حتى اقتربا من باب الشاليه، وللمرة الأولى كذلك يلاحظ نادر الأسد والثعبان والفأر المذعور على واجهة الشاليه، فسأل يوسف عنهم؛ ولكن يوسف كان مرهقا للدرجة التي منعته من الإجابة أو التفكير أو أن يظن حتى أن هذا أمراً يستحق الاهتمام.</p><p class=”ql-align-justify”>دلف نادر ويوسف إلى داخل الشاليه، وجدا هدوءًا مبالغاً فيه، كل الأنوار مطفأة، كل أجهزة الكمبيوتر المحمول كذلك، وكل الهواتف المحمولة أيضاً؛ ولكنه هدوء طبيعي. </p><p class=”ql-align-justify”>فقال يوسف لنادر ساخراً:</p><p><em>«يبدو أن إبراهيم ومحمود ووائل يغطون في نوم عميق».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ابتسم نادر وقال له:</p><p><em>«ما رأيك أن نوقظهم ثم ننام نحن؟».</em></p><p><em>«وماذا سنقول لهم بعد أن نوقظهم؟ أنت تعلم أنهم مرهقون ولو أيقظناهم لأوسعونا ضربا من الذي يحبه قلبك».</em></p><p><em>«أنا مستعد. سأقول لهم استيقظوا حتى تناموا وسأهرب على الفور».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فكّر يوسف في الأمر فوجد أنهما اللذان سيخسران من هذا المقلب، فهما لم يناما بعد وفي شدة الإرهاق؛ بينما الآخرون قد ارتاحوا ولو قليلاً، فنهاه عن ذلك وقال له:</p><p><em>«لا مانع لديهم من معاقبتنا بمنعنا من النوم حتى المساء القادم».</em></p><p class=”ql-align-justify”>طرح نادر الفكرة من رأسه، وأشعل ضوء كشاف هاتفه المحمول، وشرع يتحرك تجاه الغرفة التي سينام بها، ويوسف كذلك؛ إلا أنهما للحظة سمعا ثلاث طرقاتٍ خفيفةً على باب الشاليه، استدارا وتبادلا نظرة حائرة متسائلة لم ير كلاهما فيها سوى عينَيْ صديقه على ضوء الكشاف؛ ولكنهما تحركا ناحية الباب سويا، وفتح يوسف الباب ونظر فلم يجد شيئاً، فهمّ بإغلاق الباب لولا أن نادر أوقفه وقال:</p><p><em>«لا بد أن أحداً طرق الباب… الصوت واضح جدًا، سأخرج لأرى من هذا».</em></p><p><em>«سآتي معك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>خرجا سوياً من الباب يمشيان بقوة كأنهما ما كانا يريدان النوم منذ ثوانٍ، وكأن روحا جديدة بُـثّـت فيهما؛ نظر يوسف للرمال بدقة وصوّب كشاف هاتفه تجاهها فتبين له أنه لا يوجد أثر أقدام سوى آثار أقدامهما، فازدادت حيرتهما مما يجري.</p><p class=”ql-align-justify”>قررا دخول الشاليه، وبعد أن صعدا درجات سُلم الشاليه التي لا تتعدى الثلاث درجات وقفا وأصابهما الذهول؛ فآثارُ أقدامهما على الدرجات مضيئة، والذي صدمهما أكثر أنها مضيئةٌ بلون برتقالي مائل للحمرة، ظنّا للحظة أنها آثار دماء؛ إلا أنهما تمعّنا فيها جيداً فبدت لهما واضحة، تبادلا نظرة خاطفة وقالا في صوت واحد:</p><p><em>«القمر الدموي!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم صمتا برهةً من الوقت… انحبست أنفاسهما… حاولا التحرك من مكانيهما دون أن يُفلحا… بـدأ اللون البرتقالي المائل للحمرة يغزو جسديهما في آن واحد تلونت رجلاهما به أولاً ثم اكتسى به سائر جسديهما.</p><p class=”ql-align-justify”>تبادلا آخر نظرة كلها هلع… وكلاهما يرى عينَيْ صديقه برتقالية حمراء ولا يستطيع أن يفعل شيئاً ولا يدري ماذا أصابهما.</p><p class=”ql-align-justify”>أصبحا عبارة عن كتلة برتقالية حمراء ثابتة أمام باب الشاليه.. عينا كليهما في عين صديقه.. جسداهما متخشبان.. كأنّهما قد تم تحنيطهما للتوّ.. أو ربّـمـا تم تحنيطهما بالفعل.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[1]</h2><p class=”ql-align-justify”>يـسـتـيـقـظ وعلى وجهه تبدو أمارات الإرهاق الشديد، ويبدو وكأنه لم يكن نائماً أو على الأقل لم يكن مرتاحاً، يتحرّك بتثاقل، يعبر الصالة في طريقه إلى المطبخ ليعد فنجان قهوته المفضل والذي يفضل أن يعده بنفسه لنفسه دائماً، أو هكذا تعوّد فكأنّه أحد الطقوس اليومية التي لا مـفـرّ منها.</p><p class=”ql-align-justify”>تقع عيناه على بعض صُوَرِه المعلقة على الحائط في الصالة فيقف ويتأملها قليلاً؛ أغلبها وهو يتسلم جوائز؛ ثم تقع عيناه على شهادة الدكتوراه التي حصل عليها حديثاً من كلية الآثار، ثم ذلك المقال الذي اقتصه من إحدى كبريات الجرائد العلمية العالمية والذي يتناول بالدراسة كتابه ذائع الصيت “رحلة في أعماق الهرم”، ثم مقال آخر في مجلة علمية عالمية كذلك يتحدث باستفاضة عن الاكتشافات الكثيرة في مجال الآثار التي توصل إليها على الرغم من حداثة سنه؛ فهو مازال في الثلاثين من عمره.</p><p class=”ql-align-justify”>يحتسي فنجان قهوته المعتاد وهو يتصفح بعض المواقع الإلكترونية بحثاً عن شاليه يقضي فيه شهر العسل؛ صحيح أن هذا الشهر تأخر لما بعد الزواج بعامين! ولكن «هــالة» تقدر مشاغله وأبحاثه على كل حال؛ أحضرت كوباً من القهوة هي أيضاً وجلست إلى جواره، راحا يفاضلان بين شرم الشيخ ومطروح والغردقة وفي النهاية وقع بصر «حـاتم» على منظر سلب لبه وقلب كيانه شاليه على شكل هرم.</p><p class=”ql-align-justify”>عقد العزم على أن يقوم بحجزه فاعترضت هالة؛ لأنها تريد مكاناً يضج بالبشر لتشعر فيه بالحياة، حاولت إثناءه عن هذا الشاليه ذي الشكل الغريب، والذي يبدو في الصور وحيداً ليس حوله أي شاليه آخر.</p><p class=”ql-align-justify”>نزل على رغبتها وعاد يبحث في مواقع أخرى عن مكان آخر، وكلّما دخل موقعاً وجد هذا الشاليه في الصدارة دائماً؛ وهو أول ما يظهر له في كل موقع، تكرر الأمر مراتٍ عديدة فتوقف عن البحث والتفت إليها ورفع يديه للأعلى ومطّ شفتيه كأنه يبرئ نفسه، ويتهم الشاليه بأنه هو الذي يفرض نفسه عليه، ثم حاول أن يقنعها بأنها ستستمتع بالهدوء فيه، وبأنه سيخفف عنها صخب الزحام الذي تعيش فيه كل يوم وضغوط الأصوات العالية، وهي فرصة جيدة للاستجمام.</p><p class=”ql-align-justify”>وافقت على مضض، وبعد أن وعدها بأنه سيعوضها عن هذا في الرحلة القادمة والتي ستكون إلى المكان الذي ستختاره هي دون تدخل منه.</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p> الـثــلاثـــــاء 8/8/2023م </p><p class=”ql-align-justify”>استقلاّ سيارتهما الخاصة في الطريق إلى مطروح، وفور انطلاقه بالسيارة قالت هالة:</p><p><em>«أعرف أن ما دفعك لحجز هذا الشاليه هو شكله الهرمي فهل لي أن أعرف لماذا أنت مولع بالأهرامات إلى هذا الحد؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تأمّل حاتم الطريق أمامه قليلاً وبدا كأنه لم يسمع سؤالها وعندما يئست من أن يجيبها قال:</p><p><em>«الأهرامات! سـرّ اهتمامي بها كتاب قديم وجدته عند صديق لي والتراب يغطيه كأنه قد صار جزءًا من الكتاب نفسه؛ كان أشبه بخواطر الكاتب حول بعض الموضوعات، وأكثر ما لفت انتباهي فيه فقرة وقعت في منتصف الكتاب تقريباً، كانت تتحدث عن الأهرامات أحفظها جيدا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>صمت برهة واقتنص نظرة إليها فوجد وجهها قد أشرق لمجرد الاستماع إلى حديثه؛ فابتسم وجعـل يـردد ما جاء في هذه الفقرة بصوتٍ رتيب ثابت كأنه يخرج من مذياع قديم:</p><p><em>«الأهرامات باقية منذ آلاف السنين؛ لماذا هي باقية؟ هل هي علامة على شيء؟ هل الذي حفظها إلى اليوم برغم الدهور أراد أن يبلغنا منها رسالة؟ هل أراد أن يقول: أيها الإنسان! أنا الخالق العظيم تركت لك هذه الأهرامات دليلاً على أنه في غابر الزمان كان هناك مــــن شيّـد هذا البناء؛ لم تره عينك، لم تلمسه يدك، لم تسمع صوته، ولا أبصرت هيئته؛ ولكنك متأكد أنه كان في هذا المكان يوماً ما.</em></p><p><em>أيها الإنسان! أترى باني الأهرامات الآن؟ هل كُتب عليك أيها الإنسان أن ترى الآثار ولا ترى بانيها؟</em></p><p><em>أيها الإنسان! لقد علمت أن باني الأهرامات موجود من كتابات نُقشت على الجدران، ومن وجود هذه الآثار ذاتها؛ وكذلك أنا! كذلك أنا الخالق العظيم موجود؛ من آثار أفعالي ومن كتبي تعرفني».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كانت هالة تستمع لكلّ كلمة بقلبها وعقلها في الوقت نفسه، ثم علّقت بقولها:</p><p><em>«لقد ربط الكاتب الأهرامات بالخالق».</em></p><p><em>«وهذا هو ما جعلني أهتمّ بالحكمة من بقاء الأهرامات آلاف السنين أكثر من اهتمامي بالسبب الذي كان في ذهن بانيها».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قطع كلامهما صوت فرملة شديدة، وكأنّ إطار السيارة يصرخ متألماً من احتكاكه الشديد بالأرض نتيجة التوقف المفاجئ للسيارة التي أمامهم؛ والتي نجح حاتم في تفادي الاصطدام بها في اللحظة الأخيرة والوقوف على جانب الطريق بعد أن تجاوزها بمسافة بسيطة.</p><p class=”ql-align-justify”>نزل ليطمئنّ على من فيها، اقترب منهم ورائحـة تشبه الشياط تملأ المكان وعلامات الإطار المتآكل قد خلفت على الأسفلت وراء السيارة خطين متوازيين؛ وجد كل من في السيارة على ما يرام ولم يُصب منهم أحد بسوء، سألهم عما جرى فأخبره السائق بأنه تـــوهّـــم أن شخصا يمر أمامه فتوقف فجأة، ولكنه لم يجد أحدا؛ هــدّأ حاتم من روعه وطمأنه، فأدار السائق محرك سيارته ووقف حاتم ملوحاً بيده يودعه ويقول له:</p><p><em>«لا تنسى أن تفحص دورة الفرامل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>شكرته عينا السائق وابتسامته على اهتمامه بهم، وانطلق حاتم عائداً إلى هالة مبتسماً وقال وهو يهم بالجلوس على المقعد إلى جوارها:</p><p><em>«حتى هذه الحادثة البسيطة تدل على الخالق يا هالة!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ظهر التعجب على وجهها وهي تسأله:</p><p><em>«وكيف ذلك؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أجابها حاتم وهو يدير محرّك السيارة وينطلق بها:</p><p><em>«نظام الكون مُعقّد ومُحكم بدقة وهذا دليل على أن هناك من قام بتصميم هذا النظام وبرمجته وهو الخالق الذي أوجد الكل من العدم؛ ثم تأتي بعض الفوضى أو الأحداث المفاجئة المخالفة للنظام أو التوقعات أو القوانين الفيزيائية كدليل على أن هناك من هـــو فوق كل القوى يقهرها، ويتحكم في القوانين ولا تحكمه القوانين؛ فالنظام دليل على وجود الخالق، وبعض الفوضى دليل على وجود الرب القاهـر الذي يصرف الأمور كيف يشاء».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ابتسمت هالة تلقائيا وهي تقول:</p><p><em>«لا أعرف إن كنت عالم آثار أم عالماً في الدين».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ابتسم حاتم وهو يقول:</p><p><em>«لا فارق».</em></p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> ظــلاّ يتحاوران وقتاً ليس بالقليل حتى خلدت هالة إلى الـنـوم كعادتها عندما تستقل أي سيارة؛ وهي عادة قديمة اكتسبتها منذ أيام الجامعة، كانت لا تنام ليلا ولا يحلو لها النوم إلا في سيارة الميكروباص وهي في طريقها إلى الجامعة؛ التي تخرجت منها بعد أن حصلت على درجة الليسانس من كلية «الألسن» ثم عملت بعد تخرجها مرشدة سياحية؛ وهكذا التقت بحاتم.</p><p class=”ql-align-justify”>أوشك النهار أن ينزوي، نظر حاتم ناحية الشمس وهي تغيب عن ناظريه كأنها تلوح له بأياديها مودعة إيّاه؛ تـَـفكّر فيها كثيراً؛ ما الذي يجعل هذا النجم الكبير القابع على بعد ملايين الكيلومترات من الأرض يُـسـخّـر بعضاً من طاقته لإضاءة كوكب كالأرض؟ بل لماذا يبثّ أشعته إلى الأرض ليؤمّــن الحياة عليها من خلال عملية التمثيل الضوئي؟ ترتيب عجيب! أن يوجد في الكون نجم يبث الضوء لكوكب، والأعجب أن يكون الكوكب الذي يصله الضوء بحاجة فعلية إلى هذا الضوء؛ فلو لم تكن الشمس كيف كانت الأرض تكون؟ لو حلّ الظلام الدائم على الأرض هل ستبقى كما هي؟ هل ستظل وطناً محبباً للإنسان؟ وهل كلّ هذا النظام موجود تلقائياً أم أنه موضوع لغرض؟</p><p class=”ql-align-justify”>وبينما حاتم غارق في تأملاته وتساؤلاته إذ بدأ الظلام يحلّ في الأفق شيئا فشيئاً، ويزيح الشمس وضوءَها رويداً رويدا.ً</p><p class=”ql-align-justify”>غابت الشمس وحاتم ما يزال مستغرقاً في التفكير العميق، وقد ازداد ضغط قدمه على دواسة البنزين تلقائياً دون أن يشعر، فزاد تسارع السيارة بشكلٍ كبير، وفجأةً اصطدمت السيارة بمطب صناعي، وقفزت للأعلى كفرس سباق يقفز فوق الحواجز؛ لم يصدر من حاتم أي ردة فعل؛ كأن المفاجأة أعجزته عن التصرف، لم يتمكن من أن يضغط المكابح، كما لم يتحكم بالمِقْوَد الذي فـرّ من بين يديه أو تخلّت عنه يداه رغماً عنه، استيقظت هالة مفزوعة تصرخ، مالت السيارة يميناً وهي في الهواء، وسقطت على أقصى حافة الإطارات ثم مالت يساراً كذلك وكادت تنقلب، وتكــرّر الأمــرُ مرتين حتى استقرت السيارة، واستمـرّ حاتم في السير كأنّ شيئا لم يكن غير عابئ بصرخات هالة التي ما خفتت إلا بعد أن اطمأنت أنهما ما يزالان على قيد الحياة، وفوجئ حاتم بمطب جديد فتجاوزه ببطء هذه المرة ثم نظر لأعلى فإذا به أمام بوابة تحصيل الرسوم.</p><p class=”ql-align-justify”>بعد أن مـــرّ من البوابة قالت له هالة في حدة:</p><p><em>«أنا غير مرتاحة لهذه السفرية».</em></p><p class=”ql-align-justify”>نظر لها فرأى الهلع يسيطر على وجهها، والفزع يكاد يقفز من عينيها، أدار وجهه ناحية الطريق وهو يضغط بأسنانه على شفته السفلى ويفكر في الأمر فاستمرت تقول:</p><p><em>«هيا بنا نرجع». </em></p><p class=”ql-align-justify”>عاود النظر إليها وقد أطلقت شفـتُــه سراحَ أسنانه فبدأت تظهر ابتسامة خافتة تدريجياً، وظلت تكبر حتى بدت ملحوظة، فاحتدّت هالة أكثر وهي تقول:</p><p><em>«لماذا تضحك؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كان هدوؤه الظاهري يكاد يصيبها بالجنون، أجابها محاولا تهدئتها:</p><p><em>«لا أضحك يا هالة أنا فقط أحاول أن أبتسم؛ ما الذي حدث لتطلبي أن نرجع؟ فكري في الأمر جيداً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كأن مجرّد ردّه عليها قد هــدّأ من روعها قليلا، فأجابته بنبرة أهدأ من سابقتها:</p><p><em>«كدنا نموت مرتين وتسأل عن السبب؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قال لها مستنكراً:</p><p class=”ql-align-justify”>«نموت!». </p><p class=”ql-align-justify”>ثــمّ فكّر في أن هالة بطبيعتها تعطي الأمور أكبر من حجمها، وأنه اعتاد منها على التهويل في مواقف تافهة؛ ولكن هذه المرة معها بعض الحق في أن تخاف، فأوقف السيارة جانباً وأطفأ محركها، واستدار إليها وهو يقول في رفق:</p><p><em>«يا هالة! هذه الأمور تحدث كل يوم، فلا تربطي بينها وبين سفرنا، الموت يأتي في أي مكان وبأي سبب». </em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم صمت برهةً وابتسم وهو يضيف:</p><p><em>«أعرف أنك تختلقين أسبابا لكي تهربي من هذه الرحلة التي لم تكن على هواك منذ البداية». </em></p><p class=”ql-align-justify”>حرّكت رأسها نفياً وهى تقول بعد أن هدأت:</p><p><em>«لا يا حاتم، أنت تعلم أنني وافقت على هذه الرحلة من أجلك، ولا يمكن أن أختلق أسباباً للعودة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فقال لها معاتباً برفق:</p><p><em>«إذن لماذا تريدين أن تحرميننا من الاستمتاع بهذه الرحلة؟ دعي عنك هذه الأفكار وابحثي عن المتعة فحسب، ثم ماذا لو عدنا وحدثت معنا في طريق العودة أحداث كهذه أو أكثر هل ستقولين نرجع لمواصلة رحلتنا مرة أخرى أم ماذا؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وقعت الجملة الأخيرة في نفس هالة كماءٍ بارد في جوف ظمآن، فتنهدت تنهيدةً طويلة ونـظـرت لحاتم بارتياح وقالت بتسليم:</p><p><em>«معك حق». </em></p><p class=”ql-align-justify”>كان ردُّها بمثابة الإذن له بمواصلة المسير فأدار محرك السيارة وتحرّك بها بسرعة كأنه يخاف أن ترجع في كلامها؛ بينما عادت هي لنومها كأنّها تلوذ به خوفا من أن يصيبها مكروه، أو كأنّها تفضل أن يحدث هذا المكروه وهي نائمة فربّما لا تشعر به أو ربما تفضل الــكــوابـيـــس الــمــفــزعة عـلى الــواقـع الــمـخــيــف.</p><p class=”ql-align-justify”>اسـتـمـرّ حاتم في القيادة؛ ولكن بجسدٍ منهك من طول المسافة، ومن الضغط الذي واجهه طوال الطريق، ومن قلة النوم أو عدمه؛ فليلة السفر بالنسبة له دائماً ساحة صراع بينه وبين النوم فكأنّه يُطارد النوم والنوم يطْرُده، صار جسده يقود السيارة آلـيـاً بينما عقله في مرحلة ما بين اليقظة والمنام؛ أوشك على الوصول.</p><p class=”ql-align-justify”>أخرج هاتفه وقام بالاتصال بالمهندس «خالد» مالك الشاليه؛ والذي رحّب به وهنّأه على سلامة الوصول ثم أخـبـره بـأنّه سـيـكـون فـي انتظاره، فطلب منه حاتم أن يرسل له موقع الشاليه على أحد تطبيقات الهاتف المحمول.</p><p class=”ql-align-justify”>بدأ في تتبع المسار على الخريطة؛ وهو يستمع للصوت الآلي الممل الذي راح يوجهه:</p><p><em>«على بُعد مائة متر منعطف».</em></p><p><em>«دوران للخلف».</em></p><p><em>«انعطف ناحية اليمين قليلا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تعجب في نفسه من هذا الصوت الآلي الغريب فهو صوت فتاة غير مألوف بالنسبة إليه؛ استمر الصوت يوجهه إلى أن فوجئ بسرعة السيارة تتزايد بطريقة لا تتناسب مع قـوة ضغطه على دواسة البنزين، فتوقف عن الضغط على دواسة البنزين ورغم ذلك استمرت السيارة على سرعتها ليكتشف أنه في طريق منحدر وملتوٍ للغاية، ولولا أنه تدارك الأمر وضغط الفرامل ضغطات خفيفة متقطعة ليهدئ من اندفاع السيارة لسقطت السيارة بهما من هذا الارتفاع الشاهق؛ نظر للصوت الآلي نظرة لوم يعاتبه على أنه لم يخبره بهذه المفاجأة وبأن الطريق منحدر كأنه ينزل من أعلى قمة جبل؛ لم يفق من صدمته ومن خطورة الوضع الذي كان فيه إلا على قول الصوت الآلي:</p><p><em>«لقد وصلت إلى وجهتك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وقف حاتم بالسيارة حيث أخبره الصوت الآلي، وجد نفسه في طريقٍ موازٍ للبحر، بــدأ يتفحص المكان جيداً بعينيه بحثاً عن الشاليه أو أي شاليه فلم يجد شيئاً!</p><p class=”ql-align-justify”>استيقظت هالة على صوت حاتم وهو يتعارك مع الصوت الآلي، ويتهمه بالتضليل وينعته بالفشل، سألته وهي تبتسم وعيناها نصف مغمضتين عن السبب فأجابها:</p><p><em>«انظري حولك وأنت تعرفين، لقد ضللنا الطريق والسبب هو هذا الشيء السخيف».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها وهو يشير إلى شاشة الهاتف المحمول حيث تظهر الخريطة، فابتسمت أكثر وهي تقول له:</p><p><em>«وما ذنبه؟ تـأكّـد من مالك الشاليه مرة أخرى».</em></p><p class=”ql-align-justify”>عاود حاتم الاتصال بالمهندس خالد؛ بينما استغرقت هالة في الاستمتاع بنسيم البحر الذي يتلمس وجهها في حنان، وبينما هي مأخوذة بهذا الإحساس الممتع إذا بحاتم قد أنهى مكالمته وقال لها:</p><p><em>«لقد وصلنا بالفعل، هيا بنا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>نظرت حولها ثم نظرت إليه ورددت النظر أكثر من مرة بينه وبين المكان حولهما وظهر التعجب واضحا على ملامح وجهها، فقال لها:</p><p><em>«لا تتعجبي لقد تأكدت أن هذا هو المكان، ولكن لا يمكن للسيارة أن تصل للشاليه، سوف نـوقفها هنا ونذهب للشاليه سيراً على الأقدام».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تفهّمت هالة الأمر، وأخذت ما أمكنها من أشياء معها وتركت ما تبقى وهو الأكثر لحاتم، وسارا سوياً وأقدامهما تغوص في الرمال تحت ضوء القمر الخافت.</p><p class=”ql-align-justify”>الشاليه ليس بعيدا عن الطريق ولكنه في الوقت نفسه لم يكن ظاهراً لهما في البداية، ربما بسبب الظلام الذي يطوقه من كل جانب وربما لم يكن ضوء القمر كافيا للكشف عنه.</p><p class=”ql-align-justify”>وقفا على بُـعـد أمـتـار من الـشـاليه ينظران إليه بتفحص، ويتأملانه بتدقيق؛ ثم تبادلا نظرةً كلها شغف، وقطع صمتَهما صوتُ هالة:</p><p><em>«للمرة الثانية أقول لك معك حق». </em></p><p class=”ql-align-justify”>قالتها بصوتٍ ممتلئٍ بالحماسة، وبــدا عليها الإعجاب الشديد بالشاليه وبمظهره الأخّاذ من الخارج، وقفت تتأمله وتلوم نفسها على أنها كانت معترضةً عليه في البداية، وعلى أنها لم تدقق النظر في صورته جيدا حين عرضها عليها حاتم، وحدثتها نفسها بأنّها لو نظرت إليه جيداً حينها لأصرّت على أن تزوره وحده ولو من دون بحر؛ فهو شاليه يحتوي على كل مظاهر الفخامة والرقي، مشيد بطريقة فنية رائعة، ومصمم بأسلوب يوحي بعظمته وبذكاء وذوق بانيه العالي، ويوحي أيضاً بأنه من الممكن أن يكون لهذا المكان تاريخاً حتى ولو لم يُكتشف هذا بعد.</p><p class=”ql-align-justify”>نظر إليها حاتم ورفع رأسه للأعلى وهو يقول مداعباً في غرورٍ مصطنع:</p><p><em>«أنا دائما معي حق».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم ضحكا سوياً، وبدءا يخطوان تجاه الشاليه حتى وصلا إلى درجات سُلّم الشاليه؛ وكانت هذه الدرجات مضيئةً بضوء يتحوّل لونُه من البرتقالي إلى الأحمر ثم العكس؛ تعجب حاتم من هذا اللون وتساءل في نفسه عن مصدر هذا الضوء، فقلّب وجهه للأعلى فوجد مجموعة من المصابيح الملونة الموجهة الى درجات السلم مضفيةً عليه هذا الضوء المبهج الذي يتشكل بأشكال كثيرة، لفت انتباهه أنها مشابهة تماماً للثعبان والفأر والأسد المنحوتـيـن على أغلب أحجار الشاليه، مما أزاد إعجابه بالشاليه أكثر من ذي قبل.</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[2]</h2><p class=”ql-align-justify”>ضغط حاتم على زر الجرس المثبت على الجانب الأيمن من باب الشاليه، والذي كان مضيئاً بضوءٍ أحمر قانٍ.</p><p class=”ql-align-justify”>فُـتِحَ البابُ تلقائياً فدخلا ووجدا المهندس خالد في انتظارهما ومعه زوجته وأولاده الثلاثة.</p><p class=”ql-align-justify”>رحّب المهندس خالد بهما وعـرّفهما على زوجته وأبنائه بنبرة سريعة وشبه آلية أثارت تعجب حاتم ولكنه التمس له العذر فربما هو شخص عملي لا يحب أن يهدر وقته؛ نظر حاتم ناحية الأطفال الثلاثة الذين لم يتجاوز أكبرهم الثامنة من العمر؛ ابتسم لهم ابتسامة ودودة ولكنّ وجوههم ظلت عابسة أو حزينة بعض الشئ ولم يتكلّما بكلمة واحدة؛ حاول خالد تدارك الموقف فاستأذن ثم انصرف على وعـدٍ بلقاءٍ آخر بعد أن يرتاحا. </p><p class=”ql-align-justify”>تَبِعهم حاتم إلى الباب يودّعهم بنظرة مملوءة بالاستغراب، ولكنه يتقبل تصرفاتهم على كل حال فهو مقتنع تماماً بأن اختلاف طبائع البشر أمـر حتمي وضروري؛ بينما اتجهت هالة إلى المطبخ فوراً بخطواتٍ متسارعة؛ كأنها في مسابقة عَـدْوٍ سريع مع الجوع الذي سيطر عليها.</p><p class=”ql-align-justify”>أغلق حاتم الباب خلفهم وهوى بجسده على الأنتريه وتمـدد وأغلق عينيه لبعض الوقت، فلقد أُجهدت عيناه من القيادة كل هذه المسافة وبالأخص أثناء الليل لانخفاض الإضاءة على الطريق وشدة أضواء السيارات المقابلة التي كادت تصيبه بالعمى.</p><p class=”ql-align-justify”>وما إن أغمض عينيه حتى برزت بـقـعـة ضــوءٍ لامعٍ متكتلة داخل جفونه وشـعُـر بسخونةٍ شديدة في عينيه؛ كأن عينيه تفرغان كل الضوء الذي تشرّبتا به طوال الطريق.</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> أفاق على صوت هالة وهي تدعوه لتناول الطعام، نهض مسرعاً؛ فعلى الرغم من الإرهاق والتعب الشديد؛ إلا أنه بادر بتلبية نداء العزيز الغالي؛ نداء معدة خاوية من أعماق جسدٍ مرهق.</p><p class=”ql-align-justify”>قامت هالة بفرد مجموعة من ورق الجرائد التي أحضرتها من المطبخ ورصت الطعام فوقها على المنضدة وبدءا يتناولان الطعام، ثم أمسك حاتم بكوبٍ ممتلئٍ بالماء وأفرغه في جوفه، فرغ الكوب تماماً وحاتم ما يزال ممسكا به على فمه كأنّه يشرب، لا تسقط قطرةُ ماءٍ واحدةٍ في فمه، ورغم ذلك فهو مستمر على هذا الوضع، أصيبت هالة بالدهشة مما ترى.</p><p class=”ql-align-justify”>دقّـقت هالة في وجهه فوجدته ينظر ناحية اليمين إلى الأسفل دون أن يرمش، خشيت أن تكون قد أصابته شرقة، نادته متسائلة في قلق:</p><p><em>«حاتم! ماذا بك؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يُجبها فنهضت واقفةً وتحركت نحوه لتحاول إنقاذه؛ لكنه حرّك رأسه ناحيتها فاطمأنت قليلاً؛ ولكنّ رأسه عادت تلقائيا للاتجاه نفسه، ناحية اليمين إلى الأسفل، فتحوّل نظرُ هالة تلقائياً في هذا الاتجاه، فوجدته ينظر لخبر منشور في صفحة من الجريدة المفرودة على السفرة.</p><p class=”ql-align-justify”>أمسكتها واقتلعتها من مكانها… قرأت ما فيها… امتقع وجهها.. ألقتها.. احتضنت حاتم.. صرخت!</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><strong>اختفاء المهندس خالد عبد الرازق وزوجته وأبنائه الثلاثة في ظروف غامضة!</strong></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p class=”ql-align-justify”>مرت ثوانٍ ثقيلة وهما على هذه الحال يحتضن كلٌّ منهما الآخر في خوف شديد، بـدأ حاتم يتفلّت من بين ذراعَيْها، وهي من شدّة الذعر لا تريد أن تُـفـلـتـه، لكنّه نجح في تجاوز ذراعيها بيديه، وأمال جسده ناحية اليمين للأسفل، والتقط قصاصة الجريدة التي انتزعتها هالة، كانت الصفحة الأولى من الجريدة؛ مجرد عنوان بلا أية تفاصيل والتفاصيل منوه عنها أنها في الصفحة الثامنة فسألها:</p><p><em>«أين وجدت ورق الجريدة هذه؟».</em></p><p><em>«في المطبخ».</em></p><p><em>«هل يوجد غيرها؟».</em></p><p><em>«لا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أمسك كل ما طالته يده من ورق الجريدة على السفرة بحثاً عن أية تفاصيل أخرى، فلم يجد إلا أنه بالكاد تمكن من أن يقرأ الشهر الذي صدرت فيه «ديســــمـ…»!</p><p class=”ql-align-justify”>قال في نفسه بلهجة استنتاجية وَجِــلَة:</p><p><em>«الجريدة صادرة في شهر ديسـمـبر ونحن الآن في شهر أغسطس! هذا لا يعني إلا أن هذا الخبر منشور في العام الماضي على الأقل أو في أي عام قبله».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لقد صعقه تاريخ الخبر المنشور في الجريدة أكثر مما صعقه الخبر ذاته، انتفض واقفاً فانتبهت هالة لحركته المفاجئة فازدادت رعباً وألقت بنصفها الأعلى على الطاولة وأسندت رأسها على ظهر يدها وأغمضت عينيها لبرهة قصيرة كأنها تهرب من الواقع، ثم رفعت رأسها واستدارت إليه بتثاقل ونظرت إليه نظرة متحيرة تبثه سؤالاً مفاده:</p><p><em>«كيف هذا؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أخذ حاتم يستجمع كل قواه، استخدم كل الأساليب التي تعلمها من كتب التنمية الذاتية للسيطرة على أحاسيسه وعواطفه والتي يستخدمها دائماً للتغلب على خوفه أو غضبه أو عصبيته، ضغط أصبعه السبابة بالإبهام محلقاً بهما دائرة، وظلّ ضاغطاً حتى فـرّ الدم هاربا من أصبعيه، هـــدأ قليلاً؛ أحسّ بأنه قد بدأ لتوّهِ يستعيد توازنه وسيطرته على نفسه.</p><p class=”ql-align-justify”>جعل يُفكّر بماذا يجيب هالة، ثم عاد فقال لنفسه:</p><p><em>«ليس المهم أن أجيب هالة المهم أن أطمئنها».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم مــّطّ شفتيه في حيرة.</p><p><em>«وأطمئن نفسي أيضاً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم تغيرت ملامحه إلى الحزم قليلا وهو يضيف:</p><p><em>«والأهم أن أفهم ما يجري».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم رفع صوته قليلاً وهو يوجه كلامه إليها.</p><p><em>«هالة! لا ينبغي أن يسيطر علينا الخوف قبل أن نفهم ما يجري، أنتِ تعرفين جيداً أن …».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قاطعته هالة بـصرامة وصوتها مختنق:</p><p><em>«حاتم!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>صمتت لحظة تبتلع ريقها فوجدت حلقها جافاً كأنه صحراء قاحلة، تبدلت لهجتها من الصرامة إلى الضعف الشديد وهي تضيف ببطء ونظرة الهلع لا تفارقها:</p><p><em>«أ نـ ــ ـا خـ ــ ـائـ ــ ــفـ ــ ـة ولا…».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قاطعها حاتم:</p><p><em>«ولا تفهمين شيئاً، أنا دائما أقرأ أفكارك يا هالة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها حاتم بابتسامة مكسوةً خوفا، ولكنّ مداعبته لم تكن في وقتها، لم تبتسم هالة فاستمر يقول وقد بــدا أكثر سيطرة من ذي قبل:</p><p><em>«ما الذي حدث يا هالة؟ لا شيء».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم أضاف في نفسه دون أن تسمعه:</p><p><em>«حتى الآن على الأقل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وواصل حديثه لها.</p><p><em>«لم يحدث شيء. مجرد خـبـر غير حقيقي في جريدة غير مألوفة ليست كالجرائد التي نعرفها، انظري إلى تاريخ الخبر، هل قرأتِ تاريخ الخبر يا هالة؟ الخبر منشور العام الماضي تقريبا والمهندس خالد كان معنا منذ قليل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أصاب الذهول هالة؛ ولكنّه لم يحل محل خوفها بل انضم إليه فكادت تصرخ من جديد؛ إلا أن حاتم تدارك الأمر وتكلم بقوة وحزم وسرعة قائلا:</p><p><em>«هالة! هذه الجريدة أكيد غير حقيقية؛ تاريخها قديم ولا يمكن أن تكون حقيقية؛ الحقيقة الوحيدة هي أن المهندس خالد كان معنا للتوّ.. وهذه الجريدة مزيفة أو ليست موجودة.. أو ربّما كان مهندساً غير خالد الذي رأيناه».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قاطعته معلنةً عدم اقتناعها.</p><p><em>”وزوجته وأبناؤه الثلاثة؟ هل هم غيرهم أيضاً؟”.</em></p><p class=”ql-align-justify”>أيقن حاتم أن الأمر ليس هـيّـناً كما صوّرت له أساليب السيطرة الذهنية التي استخدمها قبل قليل، فأفسح المجال لتفكيرٍ منطقيّ هداه إلى فكرةٍ فقال:</p><p><em>«سأتصل حالاً بالمهندس خالد، وسنرى!».</em></p><p><br></p><p> الهاتف الذي تحاول الاتصال به غير موجود بالخدمة، من فضلك تأكّد من الرقم الصحيح وعاود الاتصال!</p><p class=”ql-align-justify”>أُسقط في يد حاتم فانهار جسدُه على الكرسي وألقى بذراعيه على الطاولة، ثم كــوّر كف يده وضغطه في عصبية وضرب به الطاولة ضربة موجعة فـأنّت كأنّها طفل رضيع، اخترق الصوت أذن حاتم مثلما أوجع قلب هالة الذي لا يتحمل بكاء طفل رضيع؛ رغم أنّها بلا أبناء حتى الآن.</p><p class=”ql-align-justify”>مضت لحظة تألُّم هالة من صوت بكاء الطفل الرضيع على حاتم كألف عام، فلقد أدرك ما أغفلت عنه هالة عواطفـُها.</p><p><em>«لا أحد سوانا في الشاليه، فمن أين يأتي صوت الطفل؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>سؤال سمعته هالة فأدركت ما جرى للتو، شهقت وغزت الصدمة جسدها كله، فأحسّت بحرارة جسدها ترتفع ودقّات قلبها تتصارع كأنّ كلّ دقة تُسرع حتى تلطم الدقة التي تليها، أو كأنّ قلبها يريد أن يفــرّ هاربا من سجنه الأبدي قفصها الصدري.</p><p class=”ql-align-justify”>أمّا حاتم فلم يكن عنده أي اختيار إلاّ أن يستسلم للأمر الواقع ويعترف بينه وبين نفسه بأنه قد أخطأ في حجز هذا الشاليه الغامض وأن هالة كانت محقة تماماً؛ لكن لم يعد هناك وقت للوم، وهالة لم تلُمْه؛ وهو يعلم أنها لن تلومه أبداً، فلم يَـعْـتـد منها ذلك؛ ولكنه رغماً عنه أحسّ بغزو التوتر لجسده عضواً فعضواً حتى بدأت رجلُه اليمنى تفـرّغ هذا التوتر باهتزازت متتالية لا إرادية كأنّها قد صُعقت بالكهرباء؛ ولكـنّه عاد فتمالك نفسه باستخدام أسلوب جديد من أساليب السيطرة الذهنية؛ وقام بتحليل الموقف سريعاً وفـنّـد كل احتمالاته، وبدا متحيراً وهو يقول لنفسه:</p><p><em>«لا بد أننا ارتكبنا خطأ جعل كل هذا يحدث، فما هو يا ترى؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>عصر ذهنه مفكرا في كل الأسباب الممكنة.</p><p><em>«هل السبب هو دخولنا هذا الشاليه نفسه؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وقف السؤال في حلقه فلا هو نزل إلى معدته وهضمه ولا هو صعد إلى عقله وتقبله؛ ورغم غرابة هذه السؤال إلا أنّهُ لم يجد بُـدّاً من البحث عن إجابته؛ ولكن عقله لم يَهْدِه إلى شيء فعاد يحدث نفسه قائلا:</p><p><em>«لقد تسببتُ في المأزق الذي نحن فيه الآن ولا بد أن أنهيه في أسرع وقت؛ ولكن لا مجال للخوف، فالخوف لن يخرجنا من هنا هو فقط سيمنعني من التفكير؛ لا بد أن أهـدأ أولاً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>حدّث نفسه بهذا وقام بتهدئة نفسه على الفور حتى بــدا كأنّه ما اضطرب لحظة، وطـغى هدوؤه المفاجئ على سائر جسده فتوقفت قدماه عن الاهتزاز تلقائياً، وتبدّلت ملامحُ وجهه من الذعــر إلى السكينة، ومن العبوس إلى البسمة.</p><p class=”ql-align-justify”>كادت هالة أن يصيبها الجنون وهي تخاطبه بصوت مرتفع وبلهجة شديدة لم يعتدها منها.</p><p><em>«ما بك؟ لماذا تبدو هكذا؟ لماذا تبتسم؟ ماذا تنتظر حتى تتأكد أننا في مكان غريب وخطير؟ هذا المكان؛ هذا المكان لم يكن مريحاً بالنسبة لي من البداية والآن أشعر أنه غير آمن، لا تقل لي لا تتشاءمي، أنا أعلم جيداً كل الأفكار الإيجابية التي يمكن أن تقولها لي، لا أريد كلاما من هذا، لا أريد تفاءلي تماسكي توقعي الأفضل، ما تفكرين فيه سيحدث لك، ما تركزين عليه ستجلبينه إليك، لا أريد كل هذا؛ إذا كنت أنت فعلت هذا ولذلك اطمأننت وجلست هادئا هكذا، فأنا أريد أن أقول لك إنها مجرد مسكنات، مسكنات وفقط؛ مشكلتنا لن تنتهي يا حاتم بالاعتقاد الإيجابي وحـده لا بد أن نفعل شيئاً، لا بد أن نغادر هذا المكان.. فوراً”.</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالتها وانطلقت ناحية باب الشاليه وهي تجتذب حاتم من يده عنوة حتى كادت تخلع كتفه.</p><p class=”ql-align-justify”>وقـفـا أمام الباب محاولين فتحه بكل الطرق.</p><p class=”ql-align-justify”>لم يُفتح ؛ وكل المحاولات لم تُفلح.</p><p class=”ql-align-justify”>الباب مصنوع من الحديد؛ كأنه بوابة قصر عملاق.</p><p class=”ql-align-justify”>أخذت هالة ترْكُل الباب بقدميها ويديها ثم بكتفها الأيمن مراتٍ عديدة، وتخلّلت صرخاتُها كلَّ ضربة والتي تليها حتى أنها لم تعد تميز إن كانت تصرخ من ألم الارتطام بباب حديدي أم من ألم الاحتجاز في هذا المكان الغريب؛ وكلّما أدركت عجزها عن فتحه صرخت أكثر، حتى فقدت الأمل فانهارت باكية وهي تستند بكتفها على الباب، وبدأت في السقوط للأسفل وكتفها يحتّك بالباب حتى جلست على الأرض وشعرت بألم شديد في كتفها نتيجة الضربات المتلاحقة التي وجهتها للباب؛ بينما وقف حاتم ثابتاً ومـدّ يـده وأوقفها وأسندها فمشت تجـرّ رجليها بصعوبة حتى وصلا إلى الأنتريه، فقالت وهي تجلس مرغمة بصوت أقرب للصراخ:</p><p><em>«لن أجلس! لن أجلس هنا أفكر بإيجابية وأنتظر حــتْـفي، لا بد أن نفعل شيئاً.. الأمر خطير.. خطير للغاية.. هذه ليست حادثة سيارة من التي تحدث كل يوم».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم اكتست كلماتها المذعورة بنبرة غضبٍ ممتزجة بسخرية عاجزة وهي تضيف:</p><p><em>«نقابل شخصاً ونكتشف أنه مختفٍ منذ فترة، نسمعُ أنين طفل رضيع ولا أحد غيرنا هنا، وها هي قد اكتملت الباب لا يُفتح، هل تم احتجازنا هنا؟! هه؟ أجبني هل نحن محتجزون هنا؟!». </em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم خفت صوتها قليلا وتحوّل الى نبرةٍ بائسة وهي تقول:</p><p><em>«إننا في خطر؛ صدّقني؛ ولا تقل لي أن أهدأ، لن أهدأ إلا بعد أن أخرج من هذا المكان المخيف، لن أهدأ إلا بعد أن أعـود لبيتنا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يقاطع حاتم ثورة هالة بل تركها تفرغ كل ما لديها؛ ولكنه رفع رأسه عند كلمتها الأخيرة إذ قالتها وأمسكت يده وضغطت عليها بقوة كأنها تستنجد به، فنهض واقفا والإصرار يكسو ملامحه وهو يقول لها:</p><p><em>«سأبحث عن مخرج آخر».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها وانطلق يجوب الشاليه في كل الاتجاهات بحثاً عن أي مخرج، يميناً ويساراً، صعوداً ونزولاً، أرادت هالة أن تلحق به لكن قواها خارت ولم تـقدر قدماها على حملها فجلست مستسلمة باكية منتظرة إلى أن فوجئت بحاتم يقف أمامها ويقول بإحباط شديد:</p><p><em>«للأسف لا يوجد أي مخرج، لا يوجد شباك واحد حتى في هذا الشاليه».</em></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[3]</h2><p class=”ql-align-justify”>جلس إلى جوارها يُفكر وقد تسلّل التوتر إلى قدمه اليمنى مرة أخرى فعادت تهتز من جديد، ثم استدار ناحيتها قائلاً في رفق:</p><p><em>«هالة! أنا أقدر خطورة الموقف الذي نحن فيه، لن أكلمك عن الإيجابية ولا التفاؤل، ربما أنا متأكد أكثر منك أن الشواهد كلها ليست مطمئنة، ويبدو أننا تم احتجازنا هنا بالفعل».</em></p><p><em>«يبدو؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالتها بنبرة يأس ساخرة.</p><p><em>«نحن محتجزون في هذا المكان، وأنتِ تقولين لا بُـد أن نفعل شيئاً، وأنا أسألك ما هو هذا الشيء الذي يجب أن نفعله؟ هل سنجلس هكذا مكتوفي الأيدي؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>توقّف فترة عن الكلام مفسحاً لها الوقت لتجيب، بينما ظلّت هي تفكر وتسأل نفسها:</p><p><em>«ماذا يمكن أن نفعل؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم تجد إجابة منطقية فآثرت الصمت، فواصل هو قائلاً:</p><p><em>«هالة! إلى الآن لم يُصبنا مكروه، ولكن لن ننتظر حتى يصيبنا، صحيح أنا لا أفهم ما هذا المكان ولا أعرف لماذا لا يمكننا مغادرته، ولكن ما زال بإمكاننا فعل الكثير، على الأقل يمكننا البحث في الشاليه نفسه عن أي شيء؛ أي شيء مهما كان صغيراً يمكن أن نفهم منه ما يجري؛ أي شيء يمكن أن يبين لنا طبيعة هذا الشاليه أو طريقة الخروج منه، وأعتقد أننا لا نملك أكثر من هذا، فما حدث قد حدث؛ هل عندكِ حل آخر؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تفكّرت هالة في كلامه، ومضت دقيقتان وهي تقلّب الأمر في رأسها، حتى تيقّنت بأنه على صواب وأنه لا يوجد حل آخر، وأن غضبها لن يغير الواقع، وبكاءها لن يفيد في شيء، فبدأت تهدأ رويدا رويداً، وبدأ هذا الهدوء يطفو على ملامح وجهها وهي تقول:</p><p><em>«معك حق».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وعندها أدرك حاتم أن أول خطوة رسمها في سبيل حلّ الأزمة التي يمران بها قد نجحت وهي استعادة الهدوء أولاً وقبل أي تصرف، فالتقط الكلمة الأخيرة من فمها وأدرك أنه من الممكن أن يبُثّ مداعبة تلطف الجو بعض الشيء، فابتسم وهو يقول:</p><p><em>«أنا دائماً معي حق».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم ترفض هالة مداعبته هذه المرة وإنما قابلتها بمداعبة أخرى فقالت:</p><p><em>«كلمتك هذه هي التي ستقضي علين».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم ابتسمت وأحسّت كأن الحياة تدبُّ في جسدها من جديد، فنهضت واقفة كأنها نبتة خضراء تشق أرضاً قاحلةً لتخرج للنور أو على أملٍ بأن ترى النور؛ شـدّ حاتم على يدها فوقفت إلى جواره كأنها تعلن الانضمام إليه.</p><p class=”ql-align-justify”>قرّرا أن يقلبا الشاليه رأسا على عقب، بحثاً عن أي شيء يمكن أن يهديهما إلى معرفة سبب ما يحدث معهما في هذا المكان الغامض، واتفقا على مبدأ ثابت منذ البداية؛ وهو ألا يفترقا.</p><p class=”ql-align-justify”>أخذا يفتشان سوياً في الصالون، ثم تحت الكراسي والطاولة وخلف التلفزيون، ثم توجها سوياً إلى المطبخ يمشيان بحذرٍ شديد كأنهما يطآن زجاجاً أو يسيران على شوك، فرغا من المطبخ والحمام وعادا فصعدا إلى الطابق العلوي ونقّبا في كل مكان فيه ولم يصلا إلى شيء ذي بال.</p><p class=”ql-align-justify”>نـزلا إلى الأسفل وكررا البحث مرة أخرى فلم يجدا شيئاً؛ وفي اللحظة التي بدأ اليأس يتغلب فيها لمحا شيئاً لامعاً، فتوجها إليه وهما يمشيان سوياً كتفاً بكتف وبخطوات ثابتة كأنهما في عرض عسكري.</p><p class=”ql-align-justify”>باب موصد.. ذو مقبضٍ ذهبي.. منحوت على شكل أسد.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[1]</h2><p class=”ql-align-justify”>وقف حاتم يتفحص المقبض الذهبي المثير للاهتمام والدهشة.</p><p class=”ql-align-justify”>مقبض غريب غير معتاد ينبض بالحياة كأنه أسد حقيقي يبث الرهبة في نفس من ينظر إليه؛ ورغم ذلك فهو وديع وضئيل جداً للدرجة التي طمأنت حاتم وجعلته يقبض عليه بيده وهو يقول لهالة في سعادة:</p><p><em>«ربما نستطيع الخروج من هذا الباب».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وما كادت أصابعه تستقر حول المقبض حتى فوجئ بيده ترتد إلى الوراء رغماً عنه كأنّ المقبض يدفعها للخلف، حاول الإمساك بالمقبض للمرة الثانية فنفرت يـده كأنّها هي والمقبض مشحونين بالشحنات المغناطيسية ذاتها، حاول مرة ثالثة فشعر كأنه أفلح في الإمساك به ولكنْ خُيّل إليه أنه صعق بماس كهربائي دفع يده بعيدا عن المقبض؛ نظر لهالة من طرف خفي فأدرك من فرط ذهولها أن هذا قد حدث حقيقة.</p><p class=”ql-align-justify”>أدرك فشله في فتح هذا الباب أيضاً فقرر الكف عن محاولة فتحه ولو مؤقتاً؛ وقرر كذلك أن يظلّ ثابتاً حتى لا يثير المخاوف في نفس هالة من جديد؛ فهو لا يصدق أنها بالكاد قد هدأت.</p><p class=”ql-align-justify”>قـرّر صرف نظرها عمّا رأت فأدار ظهره للباب وهو يجذبها من يدها برفق ويقول ببساطة:</p><p><em>«لا مشكلة؛ باب جديد يرفض أن يُفتح؛ ولكن لا بُـد أنّ هناك طريقة أخرى للخروج؛ فهل لديك حل آخر؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>استطاع بهذا السؤال أن يوجه تركيزها ناحية الحل وألا يتركها فريسة للتفكير السلبي الذي يمكنه أن يقضي عليها أسرع من الواقع المرعب الذي تعيشه؛ لم يشأ أن يتركها حبيسة في أفكارها خصوصاً بعد أن أعلن هذا الباب أيضاً العصيان ورفض أن يُـذعن لهما كبقية أركان هذا الشاليه العجيب. </p><p class=”ql-align-justify”>التقمت سؤاله وهي تسير إلى جواره شبه مخدرة، فلا هي تستوعب شيئاً مما يحدث، ولا هي قادرة على أن ترفض هذا الواقع المفروض عليهما قهراً، ولا حتى تستطيع أن تغيره.</p><p class=”ql-align-justify”>استجمعت كـلّ ما تبقى لديها من قدرة على التفكير المنطقي وهي تجلس على الأنتريه مستسلمة؛ وبعد برهةٍ طرأت على ذهنها فكرةٌ تبدو بديهية؛ ولكنّ الصدمة أفقدتهما الكثير من قدراتهما التحليلية والمنطقية فلم ينتبها لهذا من قبل؛ فقالت وكأنّ الكلمة تقفز من فمها:</p><p><em>«الهاتف المحمول!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالتها ووثبت من مكانها وهرعت إلى حقيبة يدها تستخرج هاتفها، وفي الوقت نفسه قام حاتم يبحث عن هاتفه فوجده مختبئا هناك أسفل كرسي طاولة السفرة فانحنى ليلتقطه وهو يسمع صوتها مملوءاً بالأسى والإحباط وهي تقول:</p><p><em>«لقد وجدته؛ ولكنه فاصل شحن».</em></p><p class=”ql-align-justify”>التقط هاتفه وتفحصه.</p><p><em>«هاتفي متبقٍ به خمسة في المائة فقط».</em></p><p><em>«اتصل بالنجدة سريعاً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالتها وهي تتحرك تجاه الشاحن وتقوم بتوصيل هاتفها به؛ بينما اتصل هو برقم الطوارئ فجاءه صوت فتاة من الطرف الآخر يجيبه:</p><p><em>«كيف يمكنني مساعدتك؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تعجّب أشد العجب من هذا الصوت، عاود النظر في هاتفه مرة أخرى ليتأكد من الرقم الذي اتصل به؛ هل اتصل بالنجدة فعلاً أم بخدمة العملاء؟! وبعد لحظة تمعُّن قال في نفسه مستغرباً:</p><p><em>«هذا صوت آلي؛ صوت الفتاة الآلي».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ارتفع صوته في الكلمة الأخيرة فسمعتها هالة فسألته:</p><p><em>«آلي! ماذا تقصد؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قام بفتح مكبر الصوت فظهر صوت الفتاة الآلي واضحاً وهي تكرر سؤالها الذي يبدو مبرمجاً «كيف يمكنني مساعدتك؟» وما إن سمعت هالة الصوت حتى أشارت له بيدها أن ينهي المكالمة على الفور.</p><p class=”ql-align-justify”>استجاب حاتم لأمر هالة دون تفكير فأنهى المكالمة وهو يسألها:</p><p><em>«ولكن لماذا؟».</em></p><p><em>«هل رقم النجدة يتم الرد عليه بهذا الشكل؟».</em></p><p><em>«لا».</em></p><p><em>«إذن فلابد أن هناك خدعةً ما ولا يجب أن نكون فريسة سهلة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم أضافت ساخرةً:</p><p><em>«هذه المرة على الأقل».</em></p><p><em>«إذن ماذا برأيك يمكننا أن نفعل بالهاتف المحمول؟».</em></p><p><em>«الانترنت! طالما أن الهاتف به شبكة فربما يمكننا تصفح الانترنت دون أن يلاحظ أحد ودون أن نعطي معلومات لصوت آلي لا نعرف من وراءه».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لمعت عيناه وفهم ما تريده من تصفح الانترنت فدخل بسرعة إلى المتصفح ومنه إلى محرك البحث وكتب فيه «المهندس خالد عبد الرازق».</p><p class=”ql-align-justify”>وافاه محرك البحث باقتراحات كثيرة فظلّ يمرر للأسفل حتى وقعت عيناه على الخبر الصادم، فضغط عليه وبدأ الموقع في التحميل.</p><p><br></p><p> <strong>اختفاء المهندس خالد عبد الرازق وزوجته وأبنائه الثلاثة في ظروف غامضة.</strong></p><p><strong>11:20ص .. الجمعة 2/12/2022م.</strong></p><p><strong>كتبه: إبراهيم طارق.</strong></p><p><strong>وردت صباح اليوم أنباء تفيد بتغيب المهندس خالد عبد الرازق وزوجته وأبنائه الثلاثة منذ عـدة أيام، وحتى هذه اللحظة لم يتم التوصل إليهم ولا معرفة سبب اختفائهم، وقد تم تشكيل فريق بحثٍ على أعلى مستوى.. وسنوافيكم بالتفاصيل.</strong></p><p><strong>(جريدة الأيام2022)</strong></p><p><br></p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p class=”ql-align-justify”>تبادلا نظرة ملؤها الدهشة فالخبر الموجود في القصاصة صحيح.</p><p class=”ql-align-justify”>لم يتكلما بشيء إنما عادا يقرآن الخبر مرة أخرى كأنهما يتأكدان مما رأوه، ثم قال حاتم مستنتجاً:</p><p><em>«إذن المهندس خالد مختفٍ منذ ثمانية أشهر تقريبا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها بسهولة بعض الشيء هذه المرة وكأنّه تقبل فكرة أن يقابل شخصًا منذ دقائق ثم يكتشف أنه مختف منذ شهور أصبح يتعامل وكأن هذا الأمر مألوف أو يحدث دائماً؛ بينما هالة لم تتكلم بشيء وإنما بدأت تدور برأسها أفكار عصية على الحصر حتى أرهقت من كثرتها فقررت أن تطلق سراح إحداها فسألت:</p><p><em>«ألا يمكن أن يكون خالد نفسه هو اللغز؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فهم ما ترمي إليه فهزّ رأسَه نفياً محاولا إنكار هذه الفكرة؛ ولكنّه رغم ذلك أحس بتشتت رهيب وشعر كأنه أصيب بدُوار وهو يجيبها:</p><p><em>«لا يمكن هذا مستحيل».</em></p><p><em>«منذ أتيت إلى هنا وأنا قد نسيت هذه الكلمة، كل شيء كان مستحيلا أصبحت أراه عاديا، أصبح كل شيء ممكناً.. لقد بدأت أشك… لا؛ بل أصبحت متأكدة من أن المهندس خالد هذا ما هو إلا مجرم محترف يستدرج ضحاياه إلى هذا الشاليه، وهنا يكون مثواهم الأخير، ولا بد أنه يعرف ما يفعله جيداً؛ الشاليه محكم الغلق وبدون نوافذ؛ كل شيء مُعَدٌ سلفاً لاستقبالنا الاستقبال الذي يؤدي بنا إلى الموت رعباً أو الانتحار فلا أحد يصمد في هذا الجو الغامض المرعب أكثر من بضع ساعات، وهذا هو ما يراهن عليه خالد؛ أعصابنا وقوة تحملنا؛ جريمة متقنة؛ ومن الممكن…. بل الأكيد أنّ هناك كاميرات تراقبنا في كل مكان من هذا الشاليه وتنقلنا إليه بالصوت والصورة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>توقفت هالة عن الكلام فجأة وأخذت تنظر حولها وفوقها تبحث في كل مكان يصل إليه بصرها عن أي شيء يشبه كاميرات المراقبة أو أجهزة التسجيل وكذلك فعل حاتم تلقائياً مثلها؛ ولمّا لم يجدا شيئاً عادت تقول:</p><p><em>«هو يدرك جيداً ما يفعل ربما لن يترك شيئا يسهل اكتشافه، ولكن لماذا اختارنا نحن؟ لماذا نحن بالتحديد؟ كيف يختار ضحاياه؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>استمع حاتم لاستنتاجاتها التي غيرت قناعته المبدئية فـبــدا متفقاً معها فيما تقول وظل عاجزاً عن النطق فترة من الوقت مرت عليهما في صمتٍ بهيم لا يقطعه بين الحين والآخر إلا صوت أمواج البحر الهادر في الخارج والتي انتبه لها حاتم للمرة الأولى منذ وصولهما فقال:</p><p><em>«ربما تكونين محقة جداً فأنا لا أستطيع أن أصل لأي سبب لوجودنا هنا غير هذا، وما يؤكد صحة استنتاجك هو صوت الموج خارج الشاليه؛ فلو كنا معزولين عن العالم الخارجي بفعل قوة خفية لما وصل إلى سمعنا أي صوت من الخارج؛ فعلاً المجرم لابد أن يترك وراءه ثغرة تكشف جريمته، ولكن خالد لم يستدرجنا؛ بل أنا الذي اخترت الشاليه وحدي».</em></p><p><em>«أعرف هذا؛ ولذلك أنا في قمة الحيرة ولا أجد إلا تفسيرا واحداً هو أنه لا يختار ضحاياه لسبب معين ولا يهمه من الذي سيبادر بحجز الشاليه، المهم عنده أن يأتي أحدهم بقدمه إلى هنا.. إلى المصيدة.. يرتكب جريمته ثم يخفي معالمها ويبحث عن ضحية أخرى أو مكان آخر لارتكاب جريمة جديدة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تأملها بعض الوقت ثم قال:</p><p><em>«ولكن! إذا كان خالد هو من وراء كل هذا فلماذا اختفى هو نفسه؟ هل ليعطي نفسه الفرصة لارتكاب جرائمه دون أن يتم كشفه؟».</em></p><p><em>«بالطبع هذا هو السبب».</em></p><p class=”ql-align-justify”>اعترض حاتم قائلا:</p><p><em>«ولكن! هل زوجته وأبناؤه الثلاثة مشتركين معه فيما يفعل؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كان السؤال صعباً وإجابته احتاجت من هالة أن تعصر ذهنها أكثر من مرة محاولة إيجاد إجابة منطقية وفي الأخير قالت:</p><p><em>«زوجته وأبناؤه الثلاثة؟! هل أنت متأكد من أن خالد متزوج ولديه أبناء؟».</em></p><p><em>«ماذا تقصدين؟!».</em></p><p><em>«أقصد أنه ربما هذه ليست زوجته ولا هؤلاء أولاده؛ بل أنا متأكدة الآن أن هذا تشكيل عصابي منظم جداً».</em></p><p><em>«لن أختلف معكِ ولكن ماذا يكسب من كل هذا؟ ما دافعه؟». </em></p><p><em>«ربما هناك رابط ما بين ضحاياه؛ ربما يربطهم جميعاً شيءٌ واحد.. وربما يقتل لمجرد القتل.. يتلذذ بهذا.. وربما يضحي بهم لأجل شيء خفي يطلب منه هذا ليمنحه شيئاً ما».</em></p><p><em>«ربما! كلها احتمالات ولكن يبقى الدافع وراء ارتكاب الجريمة مجهولاً، وتبقى الجريمة نفسها مجهولة؛ فنحن لا نعلم حتى الآن ما هي هذه الجريمة ولا نعلم إن كان هناك جريمة من الأساس؛ فكل ما نعرفه أن أحدهم اختفى والآن أصبحنا نشك في أنه هو نفسه قاتل وأنه يخطط للتخلص منّا مثل بقية ضحاياه الذين افترضنا وجودهم، كلها احتمالات واستنتاجات غير منطقية أو على الأقل لا يوجد دليل واحد عليها».</em></p><p class=”ql-align-justify”>صمت لحظة ثم أضاف مشدداً:</p><p><em>«لو كان خالد كما تقولين هو من يخطط للتخلص منّا ويراهن على قوة تحملنا فالأمر بسيط يمكننا أن نتحلى بالهدوء والثبات إلى أن يمر كل هذا بسلام».</em></p><p><em>«أتمنّى هذا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>خرجت الكلمة الأخيرة من فمها مصحوبةً بتنهيدةٍ محترقة؛ ثم عادت لتسبح في أفكارها دقائق مرت عليها كأنها دهر طويل، ثم رجعت من رحلة تفكيرها العميق وكأنها اقتنصت صيداً ثميناً فقالت بصوت خفيض يسمعه حاتم بالكاد: </p><p><em>«أصبحت أشك في شيء آخر مختلف تماماً، أصبحت أشكُّ في أن خالد هو من قام بكل هذا؛ لكنّه لا يريد التخلص منك بل يريدك أن تكون هنا!</em></p><p><em>أبلغ أنه اختفى ليتيح الفرصة لنفسه ليختلي في هذا الشاليه دون رقابة، ولابد أنه لم يخبر أحداً بأنه يملكه، قـرر جلبك إلى هذا المكان، اخترق هاتفك المحمول، تحكم فيه بالكامل، بدأت تظهر أمامك إعلانات ترويجية في كل موقع من مواقع التواصل الاجتماعي تستخدمه، وكل هذه الإعلانات منصبة حول ضرورة حجز شاليه لقضاء شهر العسل، بعد فترة وجدت نفسك تفكر بالفعل في حجز شاليه وأخبرتني بالفكرة فرحبت بها على الرغم من تعجبي الشديد لأننا متزوجين منذ عامين!</em></p><p><em>المهم أنه نجح في استقطابك إلى فكرة حجز شاليه ثم عند بحثك عن شاليه محدد تكرر ظهور هذا الشاليه أمامك، تصميمه ملفت جداً بالنسبة إلى واحد مثلك متخصص في الآثار؛ شاليه على شكل هرم؛ وتحت ضغط التكرار المستمر تحقق له ما أراد وها أنت هنا بالفعل؛ أليس هذا هو ما حدث معك بالفعل؟».</em></p><p><em>«بلى؛ هذا هو ما حدث معي بالضبط».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم واصلت قائلة:</p><p><em>«هاتفك مخترق وهاتفي كذلك؛ وهذا يفسر سبب عدم إجرائهما أية مكالمة ويفسر أيضاً الصوت الآلي المبرمج الذي أجابك في السيارة وهنا؛ ولكن الشيء الوحيد المقلق في هذا هو أن خبر اختفاء خالد نفسه ربما يكون غير صحيح! فطالما أن الهاتف مخترق فلابد أن هذا الخبر كذلك مصطنع؛ أما الشاليه! فهل هناك شاليه بدون نافذة واحدة؟ كيف هذا؟ الناس تأتي إليه لأجل الهواء فإذا به مصمت؛ هل هذا معقول؟».</em></p><p><em>«كلامك منطقي جداً؛ ولكن لماذا يريدني هنا؟».</em></p><p><em>«الأمر واضح، يظنّ أن هذا المكان به آثار، وأنت الوحيد القادر على تأكيد هذا أو نفيه، قرر أن يجلبك إلى هذا المكان ويحتجزك فيه، ولا بد أنك ستبحث عن مخرج، وبالطبع لن تجد مخرجاً عاديا، وستبحث في كل مكان، ووقتها ربما تكتشف شيئا يلفت انتباهك، فإذا وجدت علامات تدل على وجود آثار فلا بد أنك ستحاول الاتصال والابلاغ عن ذلك ووقتها لن تبلغ أحدا سواه؛ سيتلقى هو أو الصوت الآلي المكالمة، ويتأكد هو من صحة ظنونه فيغامر ويحفر المكان المطلوب أو الشاليه بأكمله؛ وبعدها ينتهي دورك وتخرج من هنا بسلام بعد أن يبلغك الصوت الآلي بأنه سبق التنقيب في هذا المكان من قبل ولم يُكتشف شيء أو بأنَّ هذا المكان ليس له أي تاريخ أو أي سبب آخر؛ وحينها تكفُّ عن البحث وتحاول الخروج فيسمح لك بالخروج؛ أو لا تصدق الأسباب التي سيحاول أن يقنعك بها الصوت الآلي وتتخطى الحد الذي رسمه لك فلا تخرج من هنا أبداً».</em></p><p><em>«هذه فكرة محتملة ولكنّها تدل على طريقة تفكير ساذجة».</em></p><p><em>«ساذجة؟ لماذا؟! ألم تبتلع الطعم؟ ألست محتجزا في قلب الشاليه الآن وتبحث عن مخرج بالفعل؟ ألم توشك أن تخبر الصوت الآلي بشكواك وتتعامل معه بطريقة عادية؟ صدقني لم تعد سوى خطوة واحدة؛ أن تكتشف شيئاً وينتهي الأمر كله».</em></p><p><em>«أكتشف شيئاً؟ وماذا بعد؟».</em></p><p><em>«سنبتلع الطعم بإرادتنا ونطمئنه تماماً أننا لم نفهم لعبته، وبعد أن نخرج من هنا بسلام سنبلغ عنه، حتى يتم إلقاء القبض عليه متلبسا بجريمته».</em></p><p class=”ql-align-justify”>صمت ملياً ثم قال:</p><p><em>«لقد ذكرتني فكرتك هذه بالعقدة الغوردية».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تجهمت ولم تستوعب ما يقوله، فسألته في دهشة:</p><p><em>«ما هذا؟ ماذا تقصد؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>جلس مسترخياً في مقعده وهو يشرح لها:</p><p><em>«كان الإسكندر الأكبر يخوض معاركه وفتوحاته، فمرّ بمدينة كان بها عربة مربوطة بعقدة لا يظهر منها أي طرف حبل، وكان لدى أهل هذه المدينة نبوءة تقول إن من سيحل عقدة الحبل هذه هو ملك آسيا الحق، ولم يستطع أحد حلّ العقدة أبداً حتى جاء الإسكندر وعندما لم يجد طرفاً للحبل ليحل العقدة قام بقطعها بضربة من سيفه قائلاً: إنه من غير الضروري معرفة الطريقة الصحيحة لحلها.. وهكذا قام بحلها! بكل بساطة.</em></p><p><em>ومن وقتها وعبارة “العقدة الغوردية” تستخدم للدلالة على أية مشكلة صعبة يتم حلها بعمل جريء».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فهمت هالة مراده فاستمر يقول:</p><p><em>«وما تقترحينه أنتِ الآن هو عمل جريء لحل المشكلة الصعبة التي تواجهنا؛ ولكن إن فشلنا في هذا العمل فسندفع الثمن غاليا جدا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>صمت برهة يفكر في أن كل الاحتمالات التي تقولها هالة مقبولة ولا يمكن أن يعترض عليها؛ فمن السهل أن تشك في أن خالد مجرم متمرس يقضي على ضحاياه في هذا المكان الموحش بعيداً عن الصخب ولهدف يعلمه هو وحده.</p><p class=”ql-align-justify”>ومن السهل أيضا أن تصدق أنه يبحث عن الآثار في هذا المكان وأراد جلب أحد أهم العلماء إليه ليستخدمه كأداة للكشف عنها ثم يتخلص منه بعد ذلك فالاحتمالان مقبولان؛ ولكن حاتم لا يمكنه أن يفعل شيئًا حيال الاحتمال الأول، فقط يمكنه أن ينتظر حتفه على يـد هذا المجرم؛ أما الاحتمال الثاني فيعطيه الفرصة لكي يفعل شيئا، أي شيء يمكن أن ينجيهما من هذا المكان، وهو ما جعله يأخذ قرارا بأن يبني على الاحتمال الأخير ويشرع في البحث عن الآثار في هذا المكان ربما وصل لشيء.</p><p class=”ql-align-justify”>حاصر ذهنه بسؤال واحد: «من أين أبدأ البحث؟». </p><p class=”ql-align-justify”>فيما سبق كان يبحث عن مخرج ينقذه من هذا المكان الغريب، والآن صار يمارس عمله العادي وهوايته المحببة؛ صار يبحث عن آثار، ولكن للمفارقة فإن هذه هي المرة الأولى التي لن يُـنْسب اكتشافه له ولا لغيره بل ربما لا يعرف أحدٌ به أصلاً؛ فأحدهم قابع في مكان ما ينتظر اللحظة التي ينقض فيها على ما يتم اكتشافه لا لينسب الاكتشاف لنفسه فهذا لا يعنيه وإنما ليسلب كل شيء.</p><p class=”ql-align-justify”>أخذت تمر في ذهنه صورٌ لكل الأماكن في الشاليه فقد حفظه عن ظهر قلب من كثرة ما صال فيه وجال بحثا عن مخرج، ولم يُثِرْ غريزته الأثرية الفطرية سوى ذلك الأسد الذهبي؛ فهو الشيء الوحيد في هذا المكان الذي يبشر بوجود كنز وراءه بل ربما يكون هو نفسه كنزاً.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[2]</h2><p class=”ql-align-justify”>بـدأ هو وهالة في التحرُّك من مكانهما في الصالة باتجاه الباب الخلفي مرة أخرى، نظرا سوياً لمقبض الباب الذي أعلن العصيان من قبل رافضاً دخولهما، لم يُتعب نفسه كثيرا في تكرار المحاولات السابقة وإنما توجه للمطبخ وجلب بعض المعدات الثقيلة!!! سكينا ومفكا!!!!</p><p class=”ql-align-justify”>ظل يحاول فتح الباب بشتى الطرق وقال وهو يلهث من التعب:</p><p><em>«هذا الباب يمكن فتحه أما الآخر فلم يكن هناك من داعٍ لمباراة المصارعة التي لعبتيها معه».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ضحكت من دعابته فأشار لباب الشاليه وواصل قائلا:</p><p><em>«فمثل ذلك الباب الحديدي إن لم ينفتح من تلقاء نفسه ويسمح لنا بالخروج عن اقتناع فلن يغير رأيه تحت وطأة ضرباتك القوية، أما هذا الباب الخشبي فيمكن أن يرضخ للضغوط».</em></p><p class=”ql-align-justify”>نطق الكلمة الأخيرة بقوة وعنف وهو يضغط بالمفك على لسان الباب حتى استطاع تحريكه بصعوبة فانفتح الباب وارتمى هو على الأرض يلتقط أنفاسه بصعوبة قائلاً:</p><p><em>«أخيراً قطعت الحبل الأول».</em></p><p class=”ql-align-justify”>نهض وبدأ يفتح الباب فأصدرت مفصلاته أنيناً كأنين طفل رضيع مثل الذي سبق لهما سماعه تماماً؛ خُيّل إليهما أنهما يسمعان صوت سكين يتم حد شفرته.. فُتح الباب على مصراعيه.. وقفا مصدومين.</p><p class=”ql-align-justify”>بعد برهة من التقاط أنفاسه تقدم حاتم خطوة للأمام وتأهّب للدخول وهو ينظر في عينيْ هالة؛ ظهره لها ورقبته ملتوية للوراء وعيناه مثبتتان في عينيها، ثم وضع قدمه اليمنى بالداخل فتأرجح وهوى جسده ناحية الأمام واختل توازنه تماماً؛ كاد يسقط لولا يد هالة التي جذبته بسرعة وقوة فاعتدل واقفاً مذهولاً وهالة مرتعبة من خوفها عليه.</p><p class=”ql-align-justify”>دارت تساؤلات كثيرة برأسيهما عن حقيقة ما وراء هذا الباب؛ إنه بات متأكداً الآن من أن وراءه فراغ؛ ولكن كيف هذا؟ ولماذا؟</p><p class=”ql-align-justify”>قطع ذهولهما صوتُ هالة المملوء بالدهشة وهي تشير إلى الحفرة:</p><p><em>«حاتم! انظر».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كان حاتم ما يزال واقعاً تحت تأثير صدمة السقوط الوشيك؛ يفكر في الاحتمالات التي كانت من الممكن أن تحدث له؛ ربما أصيب إصابة بالغة وربما قُضي عليه في هذه الحفرة العميقة؛ وقف ينظر إليها بتفحص؛ حفرة عمقها يتجاوز الستة أمتار تقريباً، معتمة لا يكاد يرى فيها شيئاً لولا أن بعض الضوء الذي يأتي من الصالون من خلفه تسرب من بين قدميه ومن حوله على استحياء ليكشف بعض أجزاء من هذه الحفرة؛ سأل نفسه: «هل هذه مقبرة؟ أثرية؟ فرعونية؟ يونانية؟ حديثة؟».</p><p class=”ql-align-justify”>ساورته الشكوك لكن خالجه يقين واحد هو أن هذه الحفرة ما هي إلا مقبرة أيا كان تاريخها؛ إن هالة محقة تماماً فيما قالت؛ هذه الحفرة في هذا المكان الغريب لا تدل إلا على أن أحدهم كان يحفرها حتى وقت قريب، ولكن لماذا توقف عن ذلك؟ ولماذا سمح لنا بحجز الشاليه؟ لا يوجد تفسير واحد مقنع غير الذي توقعته هالة.</p><p><em>«لقد اتضح الأمر إذن؛ أنا هنا بفعل فاعل كما قلتِ».</em></p><p><em>«أتمنى أن أكون مخطئة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كأنها كانت تتوقع وتضع الاحتمالات لا لتحدث هذه الاحتمالات والتوقعات وإنما لتوجد أمــلاً يمشيان وراءه ربما ينجحان في الخروج من هذا المكان الموحش؛ ولكنها في الوقت نفسه لم تكن تتمنى أن يكون توقعها صحيحاً؛ لأنّ صدق توقعها يعني أن فرص نجاتهما تتضاءل إن كانت هناك فرص للنجاة بالأساس.</p><p class=”ql-align-justify”>بدت حزينة محبطة وهي تفكر في حالهما وما يجري لهما وتحدث نفسها بأسىً:</p><p>«إنه شيء غريب؛ يوم أن نقرر قضاء شهر عسل نرفه فيه عن أنفسنا قليلاً ونهرب من صخب الحياة وأزماتها، نصطدم بأزمة أكبر من كل أزماتنا؛ ونحتجز في مكان غامض مغلق من كل جانب! الآن أتمنى لو بقينا أحراراً في مكاننا هناك؛ حيث مشاكل الحياة اليومية التي لطالما تبرمت منها».</p><p class=”ql-align-justify”>لم يُضع حاتم وقتاً كثيراً في تفحص المكان وتأمله؛ بل انحنى يبحث عن شيء يستطيع استخدامه في النزول إلى قاع هذه الحفرة؛ وأخيرا وجد ما يبحث عنه؛ حبل سميك مربوط في وتد حديدي مثبت في الجدار، ولمح عدة أحجار بارزة في جانب الحفرة وراء المكان المثبت فيه الحبل مباشرة، تساعد على النزول؛ اعتقد أن هذه الأحجار ربما تكون قد وضعت بمعرفة من حفر هذه الحفرة من قبل لولا أنه دقق النظر فيها فاتضح له أنها تتخذ أشكالا متعددة؛ فالحجر الأول منها على شكل أسد والذي يليه فيه التواءات ونتوءات وينتهي برأس ثعبان، والأسفل منهما على شكل فأر؛ وهكذا تتكرر الحجارة بالأشكال ذاتها والترتيب نفسه حتى قاع الحفرة… أصبح متأكدا أن هذه الأحجار لم توضع بمعرفة من حفر الحفرة، وإنما ربما كانت هي سبب قيامه بالحفر أصلا، وربما هي التي أغرته بأن نهايتها تؤدي إلى غرفة ملكية مليئة بالمومياوات والذهب.</p><p><em>«سأحفر هنا وليكن ما يكون».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها حاتم وهو يمسك بالحبل ويهم بالنزول وهالة تحاول منعه؛ ولكنه لم يلتفت إلى كلامها الذي تبدد في ظلمة هذه الحفرة؛ يئست من أن يستجيب لها فصمتت مترقبة؛ وصل منتصف الحفرة تقريباً وذرات تراب قليلة تتساقط في فمه حتى جف حلقه، وما إن وضع قدمه على الحجر التالي حتى انكسر الحجر وارتطم بقدمه فهوى جسده وأفلتت صرخة متألمة منه حاول كبتها؛ لم تعد قدمه مستندة إلى الحجر وإنما صار معلقا في الحبل وحده؛ صرخت هالة وجذبت الحبل تلقائيا بشدة؛ لكنها لم تستطع جذبه للأعلى؛ فنادته بنبرة باكية:</p><p><em>«حاول أن تساعدني.. ارفع جسدك معي».</em></p><p><em>«لا أستطيع قدمي تؤلمني جدا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يكد يُتم كلمته حتى فوجئ بحجر آخر انخلع من مكانه نتيجة حركة الحبل يميناً ويسارًا وهوى على يديه الممسكتين بالحبل فأفلتهما رغما عنه.</p><p class=”ql-align-justify”>صرخت هالة وارتعبت بينما أطلق هو صرخة مكتومة فور أن استقر جسده في قاع الحفرة.</p><p class=”ql-align-justify”>حاول التغلب على الألم الذي يشعر به ويكبته وهو يقول لها بصوت كله وجع:</p><p><em>«أنا بخير. لا تقلقي».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وقفت لا تعرف ماذا تفعل، ولا تعرف أُتصدق كلامه الذي يحاول طمأنتها به أم نبرته المتألمة، ولكن حيرتها لم تستمر طويلاً؛ إذ يبدو أنه لم يتحمل الألم أكثر من هذا ولم يعد قادراً على مقاومته فصرخ.</p><p class=”ql-align-justify”>عاودت الصراخ تلقائيا بمجرد سماعها صرخته وهي تسأله في لهفة كلها فزع:</p><p><em>«حاتم! ماذا جرى لك؟ هل أنت بخير؟ حاتم!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أدرك أنه أفزعها فحاول كبت ألمه وصدمته واصطنع كل ما يمكنه اصطناعه من هدوء مفتعل في هذا الموقف العصيب وأجابها بصوت أهـدأ من سابقه تخلله رغما عنه تألمه الشديد:</p><p><em>«بخير. أنا بخير؛ لكن!».</em></p><p><em>«لكن ماذا؟».</em></p><p><em>«لكن… لا شيء؛ فقط أشعر أنّ بجواري جسد إنسان لا يتحرك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>حاول أن ينتقي ألفاظه قدر الإمكان حتى لا يثير فزعها أكثر؛ فلم يشأ أن يستخدم تلك الكلمة الواحدة التي تغنيه عن كل هذه الأوصاف: «جثة!».</p><p class=”ql-align-justify”>ويبدو أن حذره هذا كان في محله وأنتج أثره؛ فبدلا من أن تصرخ سألته:</p><p><em>«ماذا تقصد؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>سؤال استفهامي، حقيقي، مجازي، تقريري، إنكاري، توبيخي، تعجبي؛ المهم أنها لم تدرك بعد حقيقة ما قلته لها للتو؛ زوجها ملقى إلى جوار جثة في حفرة عميقة وقدمه لا تقوى على حمله؛ وهي تقف لتسأله ماذا تقصد؟ لقد نجحتُ في لفت انتباهها بعيداً عن المشكلة الحقيقية هذه المرة؛ أيضاً!</p><p class=”ql-align-justify”>لم يُجب على سؤالها فالإفصاح عن تفاصيل أكثر سيضر ولن يفيد؛ فقط بدأ يتفحص الجثة المتيبسة الملقاة إلى جواره ويجسُّها بيده؛ لقد اعتاد أن يتعامل مع المومياوات التي ماتت منذ آلاف السنين، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتحول فيها إلى طبيب شرعي يتعامل مع مومياء حديثة الوفاة!</p><p class=”ql-align-justify”>هذا ما ظنه في البداية؛ ولكنه بمزيد من الفحص اكتشف أن ما إلى جواره ليس إلا ذلك الكُـرَيْـك الذي كان يُستخدم في حفر هذه الحفرة وعليه سُترة من قام بحفرها.</p><p class=”ql-align-justify”>تنفس الصعداء وسارع بإخبار هالة بهذا الخبر السعيد، صحيح هي لم تكن قد أدركت بعد حقيقة ما وجده لكنها شعرت بالاطمئنان لمجرد إحساسها بالفرح في صوته.</p><p class=”ql-align-justify”>ظلّ يبحث في السترة عن أي شيء، أي شيء يكشف شخصية من قام بالحفر أو هدفه وبالفعل اهتدى إلى هاتف محمول في جيب السترة.</p><p class=”ql-align-justify”>تمنّى لو أنه كان قد تمكن من النزول دون أن تصاب قدمه ليستطيع مواصلة الحفر على الفور؛ ولكنه اضطر تحت ضغط الألم الذي يشعر به أن يفكـر في طريقة للخروج سريعاً من هذا المكان الذي من المستحيل عليه أو على غيره مغادرته إلا بمعاونة أحد؛ ولكن هالة لن تستطيع أن ترفعه بواسطة الحبل مهما حاولت؛ من غير الممكن أن تجذب بذراعيها فقط ثمانية وسبعين كيلوجراماً؛ لا بد من حل آخر؛ تفتق ذهنه عن فكرة فخاطب هالة هاتفاً:</p><p><em>«هل الباب فيه أي جزء بارز؟».</em></p><p><em>«نعم؛ في المنتصف تقريبا وراء المقبض، كرة حديدية بحجم المقبض».</em></p><p><em>«ممتاز، سأرخي لك الحبل قليلا لتقومي بجذبه وتمريره حول الكرة الحديدية حتى تتحول لتصبح كأنها بكرة يلف حولها الحبل وبعدها سأمسك جيدا في طرف الحبل وكل ما عليك هو أن تقومي بدفع الباب بجسدك كله وبكل قوتك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>على الفور فعلت ما كلفها به؛ وبعد أن انتهت تمكن هو من لف جزء من الحبل حول خاصرته وعقده ثم رفع يديه للأعلى وتعلق بالحبل؛ بدأت تدفع الباب بكل جسدها تحولت الكرة الحديدية بالفعل إلى بكرة، نجح الأمر واستطاع أن يصل بيديه إلى حافة الحفرة بينما بقية جسده مازال في منتصف الحفرة أو فوقها بقليل وقد توقف الباب عند هذا الحد؛ أدرك أنه لم يحسب حساب قطر الدائرة التي يتحرك فيها الباب والتي لن تعادل طول الحفرة بالتأكيد، ولكنه تدارك الخطأ الفني الذي وقع فيه على كل حال وقال لها بصوت مشحون بالألم:</p><p><em>«سأتشبث بحافة الحفرة قليلا وبسرعة قومي بغلق الباب مرة أخرى وتقصير الحبل وأعيدي لفه حول الكرة الحديدية من مكان أقرب لكن بسرعة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>نجحت في تنفيذ ما قاله حرفيا؛ ثم أخذت تدفع الباب بكل ما أوتيت من رغبة في إخراجه من هذه الحفرة، وبكل ما أوتيت من لوم لنفسها على تسببها في سقوطه فيها بتحليلاتها الكثيرة؛ أوشك على الخروج إلا أنه لم يحسب حساب خطأ فني آخر؛ لقد انخلعت الكرة الحديدية من مكانها بفعل ثقل وزنه وقوة دفعها للباب؛ ترنّح مرةً أخرى ولكن لحسن الحظ كانت إحدى قدميه وإحدى يديه خارج الحفرة فتركت هالة الباب مسرعة وانطلقت ناحيته وتشبثت به حتى عدّلت وضعه واستطاع الخروج بالكامل.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[3]</h2><p class=”ql-align-justify”>سقطت الكرة الحديدية وسقط وراءها عـدّة أوراق تناثرت على الأرض؛ مجموعة من الأورق المكورة والمحشورة بغير نظام داخل الفجوة الموجودة خلف الكرة الحديدية وكأن من وضعها لم يكن لديه متسع من الوقت لفعل هذا بترتيب أو أنه شخص كسول؛ إنها خزانة حديدية مختبئة داخل تجويف الباب.</p><p class=”ql-align-justify”>تبادلا نظرة الحيرة التي لا تخلو من هلع؛ تلك النظرة المعتادة في هذا المكان؛ ثم انكبّا مباشرة على الأوراق يجمعانها ويحاولان ترتيبها.</p><p><br></p><p> [الورقة الأولى]</p><p class=”ql-align-justify”>عقد تنازل من المهندس كريم سامي إلى المهندس خالد عبد الرازق عن نصيبه في مجموعة شركات النجم المضيء مؤرخ 1/12/2022م.</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><em>«كريم سامي رجل الأعمال المعروف تنازل عن نصيبه لخالد؛ كيف هذا؟ هل سمعتِ بهذا الخبر من قبل؟».</em></p><p><em>«لا؛ ولكن الملفت للنظر فعلاً هو تاريخ هذا التنازل».</em></p><p><em>«قبل اختفاء خالد بيومٍ واحد».</em></p><p><em>«إذن الأمر أصبح واضحاً؛ هل عندك شك في هذا؟».</em></p><p><em>«هل تقصد أن خالد ضحية وليس هو المجرم؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>هز حاتم رأسه مؤيداً لها وهو يقول:</p><p><em>«ويبدو أن لكريم سامي علاقة بذلك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها وشرع في فـرد الورق المتبقي في يده.</p><p><br></p><p> [الورقة الثانية]</p><p class=”ql-align-justify”>مقصوصة من مفكرة! فارغة؛ إلا من كلمة واحدة مكتوبة في وسط الورقة وتبدو كأنها كانت بداية فكرة لم تكتمل.</p><p>*منظمة*</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><em>«منظمة! هل تفهم شيئا من هذا؟».</em></p><p><em>«لا؛ ويبدو أنه كتبها على عـجـل، ويبدو من طريقة كتابتها في وسط الصفحة ومن الدائرة التي وضع هذه الكلمة داخلها والفروع التي تشعبت عنها أنه كان يريد أن يرسم مخططاً تفصيلياً؛ يبدو أن الأمر ليس هيناً».</em></p><p><br></p><p> [الورقة الثالثة]</p><p class=”ql-align-justify”>وثيقة زواج المهندس خالد عبد الرازق والمهندسة فاتن صادق بتاريخ 20/10/2020م.</p><p class=”ql-align-justify”>لولا أنهما قد تعودا على المفاجآت في هذا المكان لما كانت ردة فعلهما على ما يقرآنه بهذا الهدوء؛ ولكنه هدوء لم يخل من نظرة الذهول المختلط بالهلع المعتادة.</p><p class=”ql-align-justify”>لم يغرق حاتم في التفكير وإنما قفزت أفكاره وتساؤلاته على لسانه رغما عنه:</p><p><em>«ما هذا؟ كيف يكون خالد وفاتن متزوجين منذ ثلاثة أعوام ويكون ابنهما الأكبر في الثامنة تقريباً؟».</em></p><p><em>«ابنهما؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>خرجت تلقائيا من هالة بنبرةٍ ساخرة.</p><p class=”ql-align-justify”>توقف حاتم عند وثيقة الزواج طويلاً يدقق النظر في صورة كل من خالد وفاتن.</p><p class=”ql-align-justify”>الصورة باهتة بعض الشيء لكن ملامحهما مازالت واضحة، ظـلّ ينظر للصورتين بتركيزٍ شديد فقفزت مقلتا هالة معه تتفحصهما.</p><p><em>«لا يمكن أن يكونا هما اللذين قابلناهما قبل قليل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يرد حاتم عليها واكتفى بزمّ شفتيه وهو يفكر في أن كل شيء قد تغـيـر، وكل المعطيات اختلفت تماماً.</p><p><em>«إذن خالد ليس مجرماً ولا باحثاً عن آثار كما توقعت؛ بل هو ضحية».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالتها وهي محبطة نتيجة انهيار كل توقعاتها السابقة، ونتيجة إحساسها بالخطر المتزايد.</p><p><em>«ولكن لابد أن خالد ارتكب خطأ ما ليواجه هذا المصير».</em></p><p><em>«أتمنى ألا نكون قد ارتكبنا خطأ مماثلاً!».</em></p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> لم تكد تمضي لحظة واحدة حتى صدمهما صوت جرس الشاليه وهو يرن؛ من الذي يرن الجرس وكيف؟! لم يستغرقا كثيراً في أسئلة من هذا النوع؛ فرغم كل دهشتهما وصدمتهما نهض الأمل في صدرهما وتجلى في نظرتهما فنهضا سوياً بسرعة؛ شخصٌ ما يرن الجرس وهي فرصة لا تعوض للخروج من هذا المكان، وانطلقا يستبقان الباب بخطوات سريعة ولكنهما توقفا قبل الباب بمترين وتساءلا فيما بينهما:</p><p><em>«كيف سنفتح له والباب لا يُفتح؟».</em></p><p><em>«ليس مهماً؛ المهم أن شخصاً ما بالخارج ويمكننا الاستعانة به».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تساءلا بصوت مرتفع في وقت واحد:</p><p><em>«من؟».</em></p><p><em>«أنا .. أنا خالد».</em></p><p class=”ql-align-justify”>صدمهما ردُّه فتراجعا خطوتين كأن اسمه قد دفعهما للخلف؛ فكر كل منهما في نفسه:</p><p><em>«ماذا يجب أن نفعل وكيف يمكن أن نتصرف في هذا المأزق؟ هذا الشخص هو الذي تتعلق عليه آمالنا في الخروج من هنا ولكنه ينتحل شخصية شخص آخر، فهل يمكن الوثوق به؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>على كل حال لم يمهلهما هو وقتاً أكثر للتفكير وإنما بادر قائلاً:</p><p><em>«هل يمكنني أن أدخل؟ أعلم أنكما لا تستطيعان أن تفتحا الباب».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تساءلا في نفسيهما عما يعنيه وكيف عرف أنهما لا يستطيعان فتح الباب.</p><p><em>«أعرف أنكما تتعجبان من هذا سأدخل وأشرح لكما كل شيء».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يكد يفرغ من كلمته الأخيرة حتى وجــدا الباب الحديدي الثقيل يتحرك ووجداه أمامهما.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[1]</h2><p class=”ql-align-justify”>الشخص نفسه الذي قابلاه قبل قليل بطوله الفارع وملامحه الحادة هو نفسه لم يتغير، ولكن ما تغير تماماً هو انطباعهما عنه، نظراتهما تكاد تنطق بالشك والريبة، ووضع جسديهما يوحي بأنهما متأهبان للاشتباك معه؛ بينما قابل هو تحفزهما بابتسامة ساخرة وهو يقول:</p><p><em>«أعتذر لكما.. في الحقيقة أنا لا أعرف إن كنتما قد حاولتما الخروج من هنا أم لا؛ لكنني متأكد من أنكما على الأقل لم تستطيعا فتح النوافذ أو استخدام الكهرباء بشكل كامل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ظلاّ صامتين غير مستوعبين فاتسعت ابتسامته أكثر وهو يضيف:</p><p><em>«كل شيء في الشاليه مصمم ليعمل فقط ببصمة أصابع اليد، ولقد نسيتُ أن أعيد ضبطه ليعمل ببصمات أصابعك بدلاً من بصماتي».</em></p><p class=”ql-align-justify”>حلّ الهدوء عليهما قليلاً بعد أن عرفا السبب وراء عدم تمكنهما من الخروج، ولكنّ حاتم بادره قائلاً:</p><p><em>«أشكرك ولكن ما هذا؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها وقام برفع يده للأعلى وبها وثيقة الزواج ثم أعطاها له فتفحصها قليلا ثم قال:</p><p><em>«كيف حصلت عليها؟ هذه وثيقة زواجي».</em></p><p class=”ql-align-justify”>نظـــــرا إليه والشك يقفز من عيونهما فتدارك:</p><p><em>«آه هذه وثيقة زواجي الثاني».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يعلقا على هذا بشيء ولكن حاتم أشار ناحية الباب الخلفي وهو يسأله:</p><p><em>«وما هذه الحفرة؟».</em></p><p><em>«أية حفرة؟! آه.. الحفرة.. ليست حفرة إنما سُلّم.</em></p><p><em>في البداية كان مكان هذا الباب الخلفي جــدار، ثم قررت فتح باب في هذا الجدار بعد أن اشتريت الشاليه الملاصق وفكرت في أن أجعل هذا ممراً واصلاً بينهما ولكنني عدلت عن هذه الفكرة بعد أن قطعت شوطا في التنفيذ بتركيب هذا الباب وحفر الحفرة حتى تكون سُلّمًا أستطيع العبور منه إلى الشاليه الآخر ليفتح على باب موصل بالصالة هناك ولكنني فقدت الحماس لهذه الفكرة قبل أن أتمادى فيها أكثر».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ابتلع حاتم كل هذا الشرح على مضض وبعد أن انتهى سأله:</p><p><em>«ولكن من الذي كان يقوم بالحفر؟».</em></p><p><em>«بعض العمال».</em></p><p class=”ql-align-justify”>صمت حاتم بعدها وفكر كثيرا هل يسأله أسئلة أكثر من هذه أم يكتفي بهذا؟! وفي النهاية طلب منه أن يعيد برمجة الشاليه حتى يستطيعوا استخدامه؛ فتوجه ناحية الباب الخلفي وقام بغلقه وأمسك رأس الأسد الذهبي بقبضة يــده فأضاء الباب كله بضوء برتقالي، ثم بدأت تظهر اختيارات بالأحمر، وكل اختيار محاط بدائرة لونها ذهبي؛ فضغط على نظام التشغيل الآلي ثم اختار ضبط البصمة ثم اختار حذف البصمة الحالية؛ واستدار إلى حاتم وطلب منه أن يقبض بيده على الأسد فـفـعـل، وضغط هو على تثبيت البصمة الجديدة ثم تأكيد ثم خروج؛ فعاد الباب لحالته الأولى؛ وانصرف مودعاً إياهما مكرراً اعتذاره عن هذا الخطأ غير المقصود.</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p class=”ql-align-justify”>تحرك حاتم سريعاً في كل الشاليه يُجرب البصمة ليتأكد من أنه يعمل بالبصمة فعلاً، فوجد كل شيء قد عاد طبيعياً، ووجد بعض المربعات البرتقالية المشابهة لكف اليد بدأت تظهر في أماكن ثابتة على الجدران؛ فضغط على أحدها بإصبعه فتحرك الجزء الملاصق للمربع من الجدار المُصمت وبرزت من داخله النافذة الزجاجية وظهر له اختيار فتح كامل فاختاره وبدأ الهواء يتدفق إلى الداخل.</p><p class=”ql-align-justify”>وبالضغط على مربع آخر تمكن من البدء في شحن هاتفيهما، وعندها تذكر ذلك الهاتف المحمول الصغير الذي وجده في السترة داخل الحفرة، فأخرجه ونظر له وهو يقلبه في يده فوجده هاتفا بسيطا ويبدو بلا أهمية كبيرة، أو لا يوجد به الإمكانات التي تؤهله لحمل شيء مهم؛ ولكنه يريد فقط أن يعرف من مالكه ولماذا تركه في هذا المكان؟ حاول فتحه فوجد بطاريته فارغة، حاول شحنه فلم يستجب.. راقبته هالة لدقيقتين قبل أن تقترح:</p><p><em>«يمكنك أن تبحث عن كارت ذاكرة بداخله».</em></p><p class=”ql-align-justify”>بدأ يبحث عن أي منفذ يمكن أن تكون الذاكرة قد أدخلت من خلاله، فتوصل بالفعل إليها واستخرجها وهو يقول:</p><p><em>«أتمنى أن تكون صالحة للعمل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>وبعد خمسة دقائق وضع كارت الذاكرة في هاتفه وبدأ بتشغيله.</p><p><br></p><p> ***</p><p class=”ql-align-justify”>بمجرد أن تركهما ذلك الشخص خلفه وخرج من الشاليه انطلق تجاه الشاطئ وبدأت ملامحه الحادة تزداد حدّة وهو يجري مكالمة هاتفية.</p><p><em>«الأمر خطير للغاية؛ لقد توصلوا لأوراق لا أعرف من أين حصلوا عليها؛ وثيقة زواج خالد عبد الرازق الحقيقية، وتوصلوا للحفرة الخلفية؛ أخشى أن يكونوا خطراً علينا؛ فماذا تأمرني أن أفعل؟».</em></p><p><em>«لا شيء فقط قم بتعطيل نظام التشغيل مرة أخرى وراقبهما حتى النهاية؛ وأنت تعرف جيداً ما عليك فعله بعد النهاية».</em></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[2]</h2><p class=”ql-align-justify”>لم يجد حاتم شيئا على الكارت أكثر من ملف «بي دي إف» وملف صوتي؛ قام بفتح ملف التسجيل الصوتي فبدأ يتسرب منه صوت شخص خائف يقول بحزنٍ وبصوتٍ مذعورٍ لاهث:</p><p>{لم أكن السبب.. لم أكن السبب.. سامحوني.. سامحوني! لقد تم خداعي! [صوت نحيب].</p><p>لم يعد أمامي إلا هذا التسجيل على هذا الهاتف المتهالك سأدسه في ملابسي وأتمنى أن يستطيع أحدٌ العثور عليه [يحدث نفسه].</p><p>أنا المهندس خالد عبد الرازق أريد أن أخبر من يسمعني بأن كريم سامي هو من قضى على زوجتي وأبنائي؛ بالأمس تركتهم في هذا الشاليه بمفردهم بعد أن جاءتني رسالة من الشركة بأن لديّ اجتماع لابد أن أحضره في الثامنة صباحاً، تركتهم وسافرت ليلاً على وعدٍ بأن أعود اليوم، وصلت مقر الشركة في الموعد؛ لكنّي لم أجد لديهم علمٌ بالرسالة التي وصلتني ولا بأي اجتماعات اليوم؛ رجعت إلى هنا وجدتهم [صوت بكاء] .. ليتني لم أسافر.. ليتني بقيت معهم.</p><p>كريم سامي هو السبب؛ بعد أن تنازل لي عن كل شيء قرر أن يقصيني من الشركة؛ هددته بفضح منظمته التي يعمل لحسابها فتخلص من زوجتي فاتن ومن أبنائي وسيتخلص مني؛ لقد وضعت الدليل على صحة كلامي في مكانٍ من الصعب أن يصل إليه كريم، خزينة حديدية صغيرة وراء الباب الخلفي.</p><p>أرجو ممن يسمع هذا التسجيل أن يعيد لي حقي بأي شكل حتى لو بفضح كريم ومنظمته فقط.</p><p>سأحاول أن أتصل بالشرطة على الفور، وأتمنى أن أتمكن من ذلك..[صرخة مكتومة]..</p><p>[صوت الشرطي الذي يتلقى الاتصال يسأل عن فحوى البلاغ].</p><p class=”ql-align-justify”>صوت احتكاك جسد بالأرض يتم سحبه؛ ثم سكون لمدة طويلة وبعدها انتهى التسجيل}.</p><p>***</p><p><em>«يبدو أنه بعد أن تخلص من خالد ألقاه في تلك الحفرة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها حاتم وبدأ في استعراض ملف البي دي إف المكون من صفحة واحدة.</p><p><br></p><p> لم يتبق إلا وقت قليل!</p><p>تحطيم كل عقائد الإيمان!</p><p>الملحد وسيلة!</p><p>الترويج لداروين والدعاية لنظريته طريق بدأناه.</p><p>التخلص من كل الذين يعرفون أكثر من الحد المناسب لسلامتنا.. كل إنسان لابد أن ينتهي يوماً بالموت والأفضل أن نعجل بهذه النهاية لمن يعوقون غرضنا.</p><p>سيموتون أو يختفون بأسلوب لا يثير الريبة أو الشك فينا، ولن يستطيع أحد كشف لغز الاختفاء أو الموت أبداً.</p><p>نحن بعيدون عن المشهد تماماً.</p><p>نحن ذوو طبيعة ممتازة فوق الطبيعة البشرية.</p><p>ستحل المادية والأرقام الحسابية محل الخالق. </p><p class=”ql-align-justify”> </p><p class=”ql-align-justify”>تبادلا نظرة خوف خاطفة.</p><p><em>«أعتقد أن هذا هو الخطأ الذي ارتكبه خالد؛ عرف أكثر من اللازم وهدد هذه المنظمة؛ وأخشى أن نكون نحن أيضا قد ارتكبنا الخطأ نفسه».</em></p><p><em>«لقد فهمت كل شيء؛ لقد تم استدراجنا بالفعل إلى هذا الشاليه وبالطريقة التي شرحتيها أنتِ من قبل؛ الإعلانات الإلحاحية التي دفعتني لحجز الشاليه؛ لقد تذكرت السبب!! أحيانا يفعل الإنسان أشياء ولا يُلقي لها بالاً فتكون عليه وبالاً؛ السبب هو المعلومات التي نشرتها في كتابي المنشور حديثاً [رحلة في أعماق الهرم] المتعلقة بالمنظمة السرية الغامضة التي لم أكن أعرفها؛ أكيد هذه المنظمة هي المقصودة في الورقة المقصوصة؛ وأكيد هي الموجودة في ملف البي دي إف؛ وهي التي تكلم عنها خالد؛ ولا بد أنه اكتشف معلومات كثيرة عنهم وحين هدد بكشفها اختفى؛ ألم يقولوا هذا؟ ألم يقولوا إنهم يتخلصون من كل من يعرف أكثر من المسموح به؟ ألم يقولوا إن موته سيكون طبيعيا أو على الأقل لن يثير الريبة والشك فيهم نهائيا؟ هكذا نحن في خطر حقيقي؛ هذا الشاليه مليء بالرموز الخاصة بهذه المنظمة؛ لابد أن نغادر هذا المكان فورا».</em></p><p><em>«أرى أولاً أن تتواصل مع أحدهم بسرعة وتبلغه بما توصلت إليه وتستعين به أفضل، فالوقت ليس في صالحنا».</em></p><p><em>«معك حق؛ ولكن من؟ أتصل بمن؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>استغرقا في التفكير لعدة لحظات إلى أن قالت هالة بلهفة:</p><p><em>«الصحفي! ما اسمه؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يلبث حاتم إلا أن أسرع بالبحث على الانترنت عن الخبر من جديد وقال لها:</p><p><em>«إبراهيم.. إبراهيم طارق». </em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها وأخذ يبحث عن رقم هاتف إبراهيم على الانترنت فلم يجده؛ فبحث عن رقم هاتف جريدة الأيام التي يعمل بها؛ واستطاع أن يتواصل مع الجريدة بالفعل ويحصل منها على رقــم إبراهيم.</p><p><em>«أستاذ إبراهيم طارق؟».</em></p><p><em>«نعم أنا؛ من حضرتك؟».</em></p><p><em>«أنا الدكتور حاتم سليم».</em></p><p><em>«عالم الآثار؟! أهلاً بحضرتك يا دكتور أنا سعيد بمكالمة حضرتك».</em></p><p><em>«اسمعني يا إبراهيم لا يوجد وقت».</em></p><p><em>«خيراً يا دكتور؟».</em></p><p><em>«لقد سبق ونشرت مقالاً عن كشف لغز اختفاء المهندس خالد عبد الرازق؛ اسمعني المهندس خالد اختفى في شاليه في شاطئ مجاور لهضبة عجيبة في مطروح؛ يمكنك الوصول إليه بسهولة ابحث عنه على الانترنت؛ شاليه مميز على شكل هرم؛ واختفاؤه له علاقة بكريم سامي رجل الأعمال المعروف وبمنظمة سرية؛ الأمر خطير وأنا في هذا الشاليه الآن ومعرض للخطر؛ إن لم أتمكن من الخروج من هنا سأضع لك المستندات التي وقعت تحت يدي وراء الباب الخلفي، آمل أن تستطيع التصرف قبل أن يصيبنا مكروه؛ وسأرسل لك صور من المستندات فوراً على رقمك هذا؛ أتمنى أن تستطيع المساعدة بأسرع ما…».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أحس حاتم أنه يحدث نفسه فهتف:</p><p><em>«أستاذ إبراهيم هل تسمعني؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يجبه إلا الفراغ والسكون فتيقن أن الاتصال انقطع حاول مجدداً أن يتصل به فلم يجبه إلا صوتُ الفتاة الآلي: «كيف يمكنني مساعدتك؟».</p><p class=”ql-align-justify”>أغلق الهاتف واستدار لهالة قائلاً:</p><p><em>«انقطع الاتصال».</em></p><p><em>«إذن هيا بنا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يُفلحا في مغادرة الشاليه؛ وكل المربعات المضيئة المثبتة في أماكنها على الجدران والمحملة بالاختيارات قد بدأت تختفي تدريجياً؛ فالتفت حاتم للباب الخلفي فوجد عبارة تظهر وتختفي في منتصفه باللون البرتقالي الباهت [خطأ في النظام]، وبعد برهة اختفت تماماً كل مربعات التحكم.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[3]</h2><p class=”ql-align-justify”>بعد أن انقطع الاتصال لم يُهدر إبراهيم وقتاً طويلاً؛ بل قرر الذهاب إلى هذا الشاليه فوراً.</p><p class=”ql-align-justify”>اتصل بأصدقائه القدامى الذين عاود التواصل معهم منذ فترة ليست ببعيدة؛ كانوا متفقين على ضرورة قضاء بعض أيام الصيف في شرم الشيخ؛ ولم يكونوا قد حددوا ميعاداً لهذا بعد؛ لكنه تواصل معهم وأقنعهم بالذهاب إلى مطروح بدلاً من شرم الشيخ فوافقوا جميعاً على الذهاب إلى هناك غداً على أن يقوموا بإبلاغ أماكن عملهم برغبتهم في الحصول على إجازة؛ فقد أحبوا فكرة أن يفعلوا شيئاً غير متوقع وهو هوس ينتاب الإنسان من آن لآخر؛ أن يفعل الشيء غير المتوقع في التوقيت غير المتوقع أيضاً؛ ففي هذا متعة خاصة وقد قرروا تجربتها.</p><p class=”ql-align-justify”>بـدأ إبراهيم يبحث عن الشاليه على الانترنت؛ وجده مشغولاً ونهاية فترة الحجز الحالية [يوم الأحد 3/9/2023م]؛ و لا يمكن حجزه قبل هذا التاريخ.</p><p class=”ql-align-justify”>ضغط زر هاتفه المحمول فبرز تاريخ اليوم على يمين الشاشة [الثلاثاء 8/8/2023م]، الساعة [8.40م].</p><p>«لا يمكنني الانتظار، الأمر لا يحتمل الانتظار؛ سأنشر خبراً عن كشف لغز اختفاء المهندس خالد عبد الرازق وزوجته وأبنائه؛ ولكن من الممكن أن يتم الاعتداء عليّ إن ألمحت إلى أنني أعرف سبب الاختفاء أو مكانه؛ أو على الأقل سأفقد وظيفتي بالجريدة؛ ولكن لا بل سأنشر وليكن ما يكون؛ صحيح من الممكن أن أصل إلى كشف هذا اللغز وربما يعيقني نشر هذا الخبر عن الوصول للحقيقة أو يعتبر بمثابة كشف أوراقي لكريم ولهذه المنظمة، ولكن من الممكن أيضاً أن يُقضى عليّ قبل أن أنشر الحقيقة كاملة؛ الأفضل أن أعيد طرح الموضوع على الرأي العام مرة أخرى وأجدد الحديث عنه؛ فإن لم أصل لحل اللغز أو تم التخلص مني فلا أقل من أن يثير هذا غباراً ربما يلفت أنظار أحدهم فيصل إلى الحقيقة كاملة يوماً ما».</p><p class=”ql-align-justify”>نشر إبراهيم الخبر على الموقع الخاص بالجريدة، وقد كان يملك النشر دون إذنٍ مسبق من أحد.</p><p><strong>[كشف لغز اختفاء المهندس خالد عبد الرازق]</strong></p><p>8:45 <strong>م.. الثلاثاء 8/8/2023م.</strong></p><p><strong>كتبه: إبراهيم طارق.</strong></p><p><strong>رغم أن كل محاولات كشف لغز اختفاء المهندس خالد عبد الرازق باءت بالفشل؛ إلا أن ذلك لا يمنع من أنه ما يزال متاحا أمامنا اكتشاف حل هذا اللغز بأنفسنا، وقد أجريت تحقيقاً صحفياً موسعاً عنه، وأتمنى أن تتمكنوا من حل هذا اللغز بأنفسكم بعد قراءة هذا التحقيق والذي سأنشره لكم يوم الجمعة القادم.</strong></p><p><strong>(جريدة الأيام 2023)</strong></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p class=”ql-align-justify”> </p><p class=”ql-align-justify”>لم يكن إبراهيم قد أجرى تحقيقاً صحفياً بعد، فهو على وشك إجرائه؛ لذلك منح نفسه فرصة حتى يوم الجمعة القادم.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[4]</h2><p class=”ql-align-justify”>دخلت سكرتيرة رئيس تحرير جريدة الأيام عليه لاهثة مرتعدة، سألها في فزع:</p><p><em>«ما بكِ؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>لم تنطق وكأن لسانها معقود؛ ولكنها ألقت بالهاتف المحمول في يده كأنها تريد أن تتخلص من هذه المصيبة بأسرع ما يمكن، التقطه رئيس التحرير بتردد ووجل وهو يسألها هامساً:</p><p><em>«من؟». </em></p><p class=”ql-align-justify”>كانت الكلمات مذعورة داخلها، فلم تكن أية كلمة تجرؤ أن تخرج من فمها من فرط رعبها، عرف رئيس التحرير من ملامح وجهها المحتقن من الذي يحدثه، فصمّ أذنه استعداداً لتلقى كل عبارات التوبيخ المتاحة على هذا الكوكب، ولم يخب تقديره فقد تلقى توبيخاً لم يسمع به من قبل، تشرّب كلّ هذا بسكينةٍ ظاهرة ورضاً مفتعل، لا يملك سواهما، ولمّا أحسّ بهدوء عاصفة التوبيخ بدأ يفتح أذنيه تدريجياً ليستمع، فتلقفت أذناه صوت مالك الجريدة المهندس كريم سامي وهو يقول بانفعالٍ انفجاري:</p><p><em>«إن إعادة فتح هذا الموضوع سيسيء إلى مجموعة شركات النجم المضيء».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم تلوّن صوتُه ليحمل هدوءًا مفتعلاً وهو يضيف:</p><p><em>«خالد كان أحد أهم المهندسين لدينا، الكلام في هذا الموضوع ممنوع نهائيا ولا يتم إلا بعد الرجوع لمجلس إدارة المجموعة لتقدر حجم الضرر أو النفع الذي سيعود عليها منه».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فقال له رئيس التحرير راغباً في تهدئته أكثر أو على الأقل الحفاظ على ما اكتسبه من هدوء:</p><p><em>«إن إبراهيم قد طلب الحصول على إجازة وقد وافقت عليها، ولن أسمح له بنشر شيء عندما يعود».</em></p><p><em>«إجازة؟ لماذا؟ وأين سيذهب؟».</em></p><p><em>«أعتقد إلى شرم الشيخ، سمعته يقول هذا من قبل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كان رئيس التحرير يظنّ أن هذا الخبر سيهدئ من روع كريم لكنه على العكس اشتاط غضباً وسبه وأغلق الهاتف في وجهه.</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> ارتبك كريم أيما ارتباك على غير عادته، فعلى الرغم من أنه شخص انفعالي إلا أنه يتسم بثقة لا محدودة في نفسه يحسده عليها الكثيرون، ويرون أنها كانت السبب في تخلصه من أزمته المالية التي مر بها في غضون شهر ديسمبر من العام الماضي، وأنه لولا ثقته هذه لكان قد أفلس منذ ذلك الحين.</p><p>«كان يجب أن آمره بالتخلص من حاتم على الفور بدلا من تعطيل النظام الذي استغرق وقتا ويبدو أن حاتم استغله في إبلاغ إبراهيم».</p><p class=”ql-align-justify”>حدّث نفسه يلومها بعنف، ثم حاول استعادة ثقته في نفسه وفي قراراته فتدارك:</p><p>«ولكن حاتم شخصية معروفة ولابد من التعامل بحكمة مع الأمر».</p><p class=”ql-align-justify”>ثم ظهر الاغتياظ على ملامحه وهو يضيف محدثاً نفسه:</p><p>«ولكن لا مفر من التخلص منه أيضاً». </p><p class=”ql-align-justify”>ابتسم ولمعت عيناه وبدا منتشياً للغاية ثم قهقه بشدة وتلذذ وهو يدبر الطريقة التي سيتم التخلص بها من حاتم تماماً كما فعل مع خالد؛ وازدادت ضحكته انفجاراً لما تذكر خطة التخلص من خالد وهو يقول لنفسه:</p><p>«كانت خطة في منتهى الروعة والدقة». </p><p class=”ql-align-justify”>عاد الحزن يطفو على وجهه من جديد وهو يفكر:</p><p>«لقد وقعت في مشكلة أكبر الآن، فمَن إبراهيم طارق هذا الذي ظهر من العدم ويريد أن يفسد كل شيء؟ لا بد من التخلص منه أيضاً».</p><p class=”ql-align-justify”>ثم ازداد حنقا.</p><p>«الأمر هذه المرة ربّما لا يمر بسلام، ولكن لا مفر من التخلص من الجميع».</p>
<h2 class=”ql-align-center”>[5]</h2><p class=”ql-align-justify”>رغم أن ما نشره إبراهيم لم يكن أكثر من مجرد خبرٍ عن اختفاء مهندسٍ مغمور؛ إلا أنه استقبل عدة مكالمات أوحت له بأهمية الموضوع وخطورته؛ ولعل أهمها المكالمة التي تلقاها بعد النشر بعشرة دقائق من رئيس تحرير الجريدة؛ يُعنفه فيها عمّا نشره ويبلغه أنه سيتحمل مسؤولية ما قام بنشره وحده؛ كان الخوف هو الشئ الوحيد الذي تلمسه إبراهيم من نبرة صوت رئيس تحرير الجريدة فتأكد أن الأمر ليس هيناً، وتأكد أيضاً أن إنسانا بحاجة إلى مساعدته، وأن هذا يستحق التضحية؛ مهما كلفه ذلك.</p><p class=”ql-align-justify”>ساءل نفسه:</p><p>«ما جدوى المقالات الفكرية والفلسفية التي أكتبها إذا لم أكن قادراً على الوقوف بجانب من يحتاجني؟».</p><p class=”ql-align-justify”>أحسّ إبراهيم أن الأمر بات جدياً بشكل مخيف، أدرك أنه ربما لن يستمر في الحياة طويلا بعد أو قبل كشف هذا اللغز.</p><p class=”ql-align-justify”>ساءل نفسه مرة أخرى:</p><p>«إلى متى يا إبراهيم؟!</p><p>كنت دائماً تتعامل برفاهية الوقت، كان عندك يقين أنك ستستمر في الحياة، تفكيرك المنطقي هداك إلى أنك لن تموت إلا بسبب، وأنه لم يوجد سبب لوفاتك بعد؛ ولكن الآن أصبح هناك سبب بدأت بوادره تظهر؛ هل تتراجع أم تستمر؟</p><p>ولكن إذا كنت سأموت فلا بـد قبل الموت أن أعلم من أنا ولماذا أنا؟ إذا كانت هذه مرحلة ستنتهي للأبد أم هي كما يقول المؤمنون بداية لحياة جديدة؟!</p><p>طالما جاء الموت لا بد أن أعرف الحقيقة أو أحاول».</p><p class=”ql-align-justify”>تنهد تنهيدة طويلة وواصل مسائلا نفسه:</p><p>«هل لا زلت تؤمن أنك وُلِدت من العدم للفناء؟ هل ما زلت ترى أنك أصغر من أن تُخلق لغاية معينة؛ وأنك ضئيل للدرجة التي لا يُلتفت معها إليك أو تكلف بمهمة ثقيلة؟</p><p>هل ما زلت تؤمن أنك لست إلا نفاية ذرية هبت في الكون في غفلة دون غرضٍ أو غاية؟</p><p>كيف هذا؟!</p><p>كيف تكون حياتك كلها بلا غرض أو غاية بينما موضوع كهذا وجدت أن لك فيه دوراً ربما مهماً؟</p><p>هل ما زلت مصرا على إنكار الخالق الذي أنشأك وكلفك بمهمة؟».</p><p class=”ql-align-justify”>ضمّ شفتيه وضغط شفته السفلى بأسنانه وواصل مفكراً:</p><p>«لو كان الإنسان يبقى للأبد دون أن تنقطع حياته بما يسمى الموت لكان له حجة أن ينكر وجود الخالق؛ لأن بقاء الإنسان على الدوام قد يدل على أنه استطاع أن يتحكم في مصيره من تلقاء نفسه وأنه لا يحتاج لغيره؛ ولكن الإنسان ينتهي، ونهايته بالموت هي علامة له ليتفكر ويعرف أنه ليس المسيطر على كل شيء»<em>.</em></p><p class=”ql-align-justify”>أوشكت ظنونه وشكوكه أن تنهار أو تسقط في هوة سحيقة، أحس أنه يعد كشف حساب ختامي لحياته.</p><p class=”ql-align-justify”>أهم ما شغله في هذه اللحظة هو معرفة سبب وجوده. </p><p class=”ql-align-justify”>أخذ يجهز لرحلة الغد، تبادل اتصالات مع وائل ونادر ويوسف ومحمود؛ أكد عليهم ميعاد الغد.. الأربعاء.. وأبلغهم أنه سيحاول حجز شاليه الليلة فإن لم يتمكن فسوف يقومون بحجز شاليه من هناك بعد وصولهم.</p><p class=”ql-align-justify”>حاول الاتصال برقم حاتم مرة أخرى؛ ليطمئن عليه أو منه.</p><p>[لم يتم إرسال الاتصال]</p><p class=”ql-align-justify”>ظهرت له هذه الجملة على الشاشة كلما حاول الاتصال برقم حاتم. </p><p class=”ql-align-justify”>باتت الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل؛ جعل يتصفح المواقع واحداً تلو الآخر بحثاً عن شاليه متاح في مكان قريب من موقع الشاليه المطلوب.</p><p class=”ql-align-justify”>أصابته صدمة ذهلته لما رأى الشاليه المطلوب نفسه متاحاً؛ شاليه الأسد الذهبي كما أحب أن يسميه.</p><p class=”ql-align-justify”>لقد كان مشغولاً منذ ساعات ولمدة تقارب الشهر!</p><p class=”ql-align-justify”>تساءل في نفسه عن السبب الذي جعله متاحاً للحجز الليلة.</p><p>«إما أن الدكتور حاتم غادره أو …».</p><p class=”ql-align-justify”>لم يستطع أن ينطق الاحتمال الثاني فما زال لديه بعض الأمل في أن يستطيع إنقاذه وإنهاء كل شيء.</p><p class=”ql-align-justify”>الوقت ثقيل ويمر ببطء، جعل يتفحص هاتفه كل ثانيتين مرة؛ يبحث عن المستندات التي وعده حاتم بإرسالها قبل أن ينقطع الاتصال.</p><p>«لو وصلت هذه المستندات سأتمكن من الإبلاغ عن الواقعة؛ فقط أحتاج دليل، ليته يتمكن من إرسالها». </p><p class=”ql-align-justify”>قرر أن يتصفح موقع الجريدة ليشاهد ردود الأفعال والتعليقات على خبر كشف لغز اختفاء خالد عبد الرازق الذي نشره منذ قليل؛ ولكنّه صُدم لما وجد خبراً جديداً قد غطى تماماً على الخبر الذي نشره فتيبس جسده وكأنه أصيب بشلل وعينه تنظر منذهلةً ناحية الهاتف المحمول.</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><strong> [العثور على المهندس خالد عبد الرازق]</strong></p><p>8:35<strong>م .. السبت 24/12/2022م.</strong></p><p><strong>كتبه: أحمد جمعه.</strong></p><p><strong>وردت أنباء بأنه تم العثور على المهندس خالد عبد الرازق في أحد المستشفيات الخاصة حيث كان يتلقى العلاج هناك منذ عدة أسابيع، وتبين أنه كان يعاني من فقدان مؤقت للذاكرة نتيجة تعرضه لحادثة سير، وصرح مدير المستشفى بأن المهندس خالد كان قد دخل المستشفى في حالة متدهورة مما اضطر المستشفى إلى قبول حالته وتحمل التكاليف الخاصة بعلاجه التزاما بمسؤولية إدارة المستشفى والأطباء العاملين فيها تجاه المرضى ذوي الحالات الخطرة؛ وهو البروتوكول الذي دأبت المستشفى على اتباعه، وذلك بجعل الأولوية لحالة المريض الصحية لا سيما الحالات الخطيرة وتقديمها على تكاليف العلاج التي من الممكن الحصول عليها بعد ذلك، وهو المنهج الذي اتبعته مع المهندس خالد رغم عدم إمكانية التعرف عليه وقت دخوله المستشفى وكذلك عدم وجود مرافقين له يتكفلون بنفقات علاجه؛ إلا أن إدارة المستشفى أصدرت قرارا بعلاجه على الفور.</strong></p><p><strong>كما صرح أحد الأطباء المتابعين لحالته بأنه حاول جاهداً العمل على استعادة المريض لوعيه الكامل وأنه هو الذي أشرف على ذلك بنفسه إلى أن استعاد ذاكرته وتمكن من التعريف بنفسه وفور علمي أنه هو المهندس خالد عبد الرازق المبلغ باختفائه منذ ثلاثة أسابيع قمت بنشر الخبر على صفحتي الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي حتى يصل لأسرته، وبالفعل حضرت زوجته وتابعت حالته إلى أن خرج من المستشفى برفقتها.</strong></p><p><strong>هذا، وقد عاد المهندس خالد إلى بيته حيث كان في استقباله زوجته وأبناؤه وبقية أسرته.</strong></p><p><strong>وفي هذا الصدد تهنئ الجريدة أسرة المهندس خالد ومجموعة شركات النجم المضيء على عودته سالماً.</strong></p><p><strong>[جريدة الأيام2022م]</strong></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> صدمه هذا الخبر الذي لا يعرف من أين جاء ولا كيف تم نشره؛ فهو يعمل بالجريدة ولم يقرأ شيئاً كهذا من قبل؛ ولكن التعليقات على هذا الخبر كثيرة جدا لدرجة أثارت استغرابه؛ وكثير من هذه التعليقات لأناس سعداء بظهور خالد، وكثير منها يوجه الشكر لإدارة المستشفى على عنايتها بمرضاها، وكثير منها يذكر مواقف حدثت معه في هذه المستشفى تحديداً وما لقيه فيها من حسن المعاملة والرعاية؛ لم يكد يفيق من صدمته بهذا الخبر حتى وجد خبرًا آخر.</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p> <strong>أنباء عن فقد الاتصال بعالم الآثار الدكتور حاتم سليم. </strong></p><p>12.20<strong>ص .. الأربعاء 9/8/2023م.</strong></p><p><strong>كتبه: أحمد جمعه.</strong></p><p><strong>في الوقت الذي يحتفي فيه الرأي العام بكتاب «رحلة في أعماق الهرم» للدكتور حاتم سليم؛ إذا بأنباء وردت من بعض قرائه تفيد بعدم مقدرتهم على التواصل معه.</strong></p><p><strong>فيما صرح أحد المقربين منه بأن الدكتور حاتم قد ذهب في رحلة سياحية وأنه أبلغه منذ أيام برغبته في أن ينفصل عن الصخب بعض الشيء خصوصاً بعد صدور كتابه الأخير وحالة الجدل التي ثارت حوله وكثرة الاتصالات التي تلقاها في الفترة الفائتة.</strong></p><p><strong>فيما تبنى أحد متابعيه وسماً على مواقع التواصل الاجتماعي أسماه (#من_حقه_أن_يستريح) في إشارة إلى أن الدكتور حاتم وإن كان ملك قرائه ومعجبيه ومتابعيه فهو أيضا يحتاج لأن يرتاح قليلا حتى يجدد نشاطه.</strong></p><p><strong>وعلى جانب آخر رفض كثير من متابعيه هذا الوسم وطالبوا بظهوره علناً ليعلن هذا بنفسه وأنشأوا وسماً أسموه (#يقولها_بنفسه)؛ بينما رجح البعض أنه منهمك في الإعداد لكتاب جديد.</strong></p><p><strong>وتسود حالة من الجدل والترقب حول أي من الوسمين سيستجيب إليه الدكتور حاتم.</strong></p><p><strong>[جريدة الأيام 2023م]</strong></p>
<h2 class=”ql-align-center”><span style=”color: rgb(230, 0, 0);”>[6]</span></h2><p class=”ql-align-justify”>اتصل إبراهيم بوائل وأخبره بما جرى.</p><p><em>«إذن حاتم اختفى وخالد ظهر؟! الموضوع خطير للغاية هل أنت متأكد من هذا؟!».</em></p><p><em>«نعم متأكد مثلما أنا متأكد من أنني أكلمك الآن؛ الخبر منشور على موقع جريدة الأيام يمكنك مراجعته؛ ولكن هل تعتقد أن الذي ظهر هو خالد فعلاً؟ ولماذا الآن بالتحديد؟».</em></p><p><em>«الآن! ألم تقل إن خبر ظهوره منشور من العام الماضي؟».</em></p><p><em>«نعم ولكن هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها هذا الخبر ولا أعرف كيف هذا؟ طريقة نشره والتفاصيل توحي بالمصداقية لكنني ما زلت غير مصدق أشعر أن الأمر خطير للغاية».</em></p><p><em>«الأمر خطير فعلاً؛ ولكن مع الأسف ليس لدينا دليل واحد على أي شيء؛ لابد أن نذهب إلى هذا الشاليه ونبحث عن المستندات التي تركها لك حاتم، ولو كان هناك شيء مما تقول لابد سنصل إليه».</em></p><p class=”ql-align-justify”>بنبرة يائسة قال إبراهيم:</p><p><em>«أتمنى».</em></p><p class=”ql-align-justify”>واستمر وائل يقول:</p><p><em>«ولكن! هل حدد لك مكانا بعينه؟!»</em></p><p><em>«دكتور حاتم؟»</em></p><p><em>«ومن غيره؟!»</em></p><p><em>«ما أذكره من كلماته أنه ذكر شيئا عن باب خلفي وأسد».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فقال وائل بعد برهة تفكير:</p><p><em>«إذن عندما نصل ستدخل على الفور للبحث عن الباب الخلفي وسأتولى أنا البحث في بقية الشاليه لأتأكد من عدم وجود أحد به، أو ربما أجد شيئًا يفيدنا».</em></p><p><em>«ولكن ماذا عن يوسف ومحمود ونادر؛ ألن نخبرهم بحقيقة الأمر؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>فكّر وائل في الأمر وقلّبه في رأسه مراراً وفي النهاية قال:</p><p><em>«لا».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم أضاف:</p><p><em>«نحن أمام احتمالين الأول أننا لن نجد شيئًا في الشاليه وفي هذه الحالة سنقضي أيامنا هناك نستمتع وفي الوقت نفسه نراقب الأمر من قريب؛ والاحتمال الثاني أنه يوجد في الشاليه بالفعل جريمة أو عدة جرائم قد ارتكبت وأن إنساناً كحاتم ربما أصابه الآن مكروه، وإنسانا آخر كخالد قد أصيب بالفعل بهذا المكروه قبل أن يظهر إن كان هو الذي ظهر بالفعل؛ وفي الحالة الأخيرة لن يمانع واحد من أصدقائنا في أن يشارك معنا في إنقاذ حاتم وإعادة حق خالد الحقيقي.</em></p><p><em>وأنا أرجح الاحتمال الثاني ولكن لا داعي لإثارة مخاوفهم من الآن؛ ورغم ذلك فهل تعتقد أصلاً أن أحدًا منهم سيمتنع عن مساعدتك أو يلومك حين يعرف حقيقة قصدك؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>اقتنع إبراهيم بوجهة نظر وائل واتفقا على ضرورة التحرك الفوري، وتولى إبراهيم مهمة تجميع الكل بسيارته، وانطلقوا إلى ذلك الشاليه رأساً.</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p> ***</p><p class=”ql-align-justify”>أجرى كريم سامي مكالمة هاتفية.</p><p><em>«ماذا فعلت؟».</em></p><p><em>«تماماً كما أمرتني؛ أخفيتهما في القبو السفلي؛ ولكنني لم أتمكن من إعادة الحفرة الموصلة إليه لطبيعتها».</em></p><p><em>«لا عليك؛ سنحتاجها غداً».</em></p><p><em>«هما الآن غائبان عن الوعي تماماً؛ وقمت بتسريب أنباء توحي باحتمالية اختفائهما، كما قمت بنشر خبر آخر عن ظهوري؛ أقصد ظهور خالد عبد الرازق؛ وفي انتظار الأوامر الجديدة». </em></p><p><em>«جيد جداً؛ خبر اختفاء خالد كان ثغرة وكاد أن يفسد كل شيء، كان يجب أن نحذف هذا الخبر فور نشره أو على الأقل ننشر خبر ظهور خالد فور حلولك مكانه؛ ولكننا اعتمدنا على أن خالد لا يعرفه أحد؛ مهندس مغمور اختفى وظهر بعد شهر أو اثنين أو ثلاثة من يهتم؛ ولكن حاتم مع الأسف… لولا تواصله مع إبراهيم ولولا قيام إبراهيم بنشر خبر عن كشف لغز اختفاء خالد عبد الرازق الليلة؛ ذلك الخبر المشؤوم لكُنّا تخلصنا من حاتم وزوجته دون أن يشعر أحد كما كان مخططاً من قبل بدقة ودون دليل ولكن أعتقد أننا تداركنا هذا للتو؛ أليس كذلك؟».</em></p><p><em>«بلى.. ولقد عالجنا هذه الثغرة تماماً؛ فها أنا أمارس العمل في المجموعة من بعد اختفاء خالد بشهر؛ الكل يعرف أنني هو؛ والكل يعرف أنني قضيت ثلاثة أسابيع وقتها في مستشفى خاص مملوكة للمجموعة طبعاً وبعد استعادة الذاكرة عدت للعمل؛ الخطأ الوحيد الذي وقعنا فيه وقتها فعلاً هو أننا لم نعلن خبر الظهور في حينه مثلما تم إعلان خبر الاختفاء، ولكن هذا الخطأ تم تداركه الآن، فعلى موقع الجريدة موجود خبر ظهوري أقصد ظهور خالد وهو منشور بتاريخ 24/12/2022م أي بعد اختفاء خالد بثلاثة أسابيع ويوجد على هذا الخبر آلاف التعليقات في تاريخ نشره نفسه لأناس سعداء بظهوري؛ كما تعلم يمكننا تزييف الوعي تماماً بل يمكننا خلق وعي جديد لا أساس له.. والتكنولوجيا لعبتنا».</em></p><p><em>«هذا حقيقي».</em></p><p><em>«ولكن ماذا عن حاتم وزوجته؟ ماذا نفعل بهما؟ حاتم مشهور ومؤثر».</em></p><p><em>«أعرف هذا جيداً؛ وهذا هو السبب الذي جعلني أطلب منك ألا تتخلص منهما نهائيًا في الوقت الراهن؛ وكذلك هو السبب نفسه الذي جعلنا ننشر خبر فقد الاتصال معه؛ مسألة جس نبض.. وسنرى كيف سيكون التحرك بعد ذلك وكيف سيكون رد فعلنا؛ ولكن لا تنسى أنه سيصل إليك غداً ضيوف جدد فماذا أعددت لهم؟».</em></p><p><em>«كل شيء تحت السيطرة».</em></p><p><em>«أريد بعض التفاصيل لأطمئن لأن عددهم كبير».</em></p><p><em>«أعرف؛ وتحركاتهم كلها تحت سيطرتي؛ سأعد لكل واحد منهم شَرَكا آليا؛ ولكن لو فشلت الطريقة الآلية في القضاء عليهم سأضطر للتدخل المباشر».</em></p><p><em>«وما هي الطريقة الآلية؟».</em></p><p><em>«إذا حاول أحدهم استكشاف ما وراء الباب الخلفي ليحصل على المستندات التي تركها حاتم والتي يظن أنها مازالت موجودة هناك سيسقط في الحفرة مباشرة وسينبعث تلقائيا غاز أعصاب يقضي عليه فيها؛ وإذا حاول أحدهم الصعود للطابق العلوي فقد تمت إحاطة السلم من جانبيه بأسلاك كهرباء عارية، ومن الأعلى والأسفل كذلك، وبمجرد أن يلمس أحدها ستتكفل هي بكل شيء؛ كما أعددت فأراً اصطناعيا صغيراً مربوطا بسلك كهربي فور أن يقترب منه أحدهم سيقضي عليه؛ وأعلى الباب الأمامي شَـرَك إضافي عبارة عن جهاز مشع تخرج منه أشعة برتقالية حمراء تستطيع القضاء على أي شخص في ثوانٍ معدودات؛ وسأكون في غرفة التحكم أشرف على كل شيء بنفسي وأتحكم في هذه الفخاخ بالزر المناسب في الوقت المناسب؛ وإذا نجوا من كل هذا سأتدخل بنفسي مباشرة وأنهي كل شيء؛ ثم سأتولى التخلص منهم».</em></p><p><em>«ممتاز.. هؤلاء من الأفضل التخلص منهم تماماً فلا أحد يعرف أنهم ذاهبون إلى مطروح؛ رئيس التحرير يقول إن إبراهيم ذاهب إلى شرم الشيخ وبالتالي لن تحوم أية شبهات حول الشاليه ولا حولنا؛ ولكن كُنْ على حذر وانتبه جيداً فلا أريد أخطاء ولا أدلة ضدنا».</em></p><p><em>«اطمئن تماما».</em></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p> <strong>عاجل:</strong></p><p><strong>وفاة الأستاذ إبراهيم طارق الصحفي بالجريدة إثر تعرضه لحادث أليم.</strong></p><p><strong>5.45م الجمعة 11/8/2023.</strong></p><p><strong>تعرض الأستاذ إبراهيم طارق الصحفي بالجريدة ومجموعة من أصدقائه لحادث سيارة على طريق شرم الشيخ منذ قليل؛ وقد وافتهم المنية قبل وصولهم إلى المستشفى.</strong></p><p><strong>[جريدة الأيام 2023م]</strong></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[1]</h2><p class=”ql-align-justify”>لم يكن يحب الصحافة ولا الإعلام على الإطلاق؛ يفضل الابتعاد دائماً عن أي أحدٍ يمت لهما بصلة، يفضل دائماً أن يعيش في الظل، لا يحب أبدا أن يجد أخباره متاحة للجميع وتفاصيل حياته مطروحة على الملأ كل يوم، ولكنها آفة العصر؛ يمكنك أن تهرب من كل البشر ولكن لن تهرب من هذه الوسائل الإعلامية أبدا، فإن لم تكن أنت نفسك مادة لها ستتلقى منها مادة ما في كل يوم؛ كل وسائل الإعلام سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية أو التواصل الاجتماعي أو المواقع التفاعلية الجديدة التي ظهرت في أوائل عام 2023م وغيرت وجه الحياة وطريقة التعايش، لم تعد هناك خصوصية على الإطلاق؛ لقد كسرت مواقع التفاعل الاجتماعي الجديدة حاجز الحياة الخاصة تماماً أو بالأدق أجهزت على ما تبقى منها.</p><p class=”ql-align-justify”>لم يلتفت يوماً لأية رسالة تأتيه من صحفي أو إعلامي حتى أصدقاءه منهم؛ وتلك الرسالة التي وصلته منذ يومين من صديقه الصحفي إبراهيم طارق كانت إحدى هذه الرسائل المهملة التي لم يقم بفتحها؛ إلا أن خبر وفاة إبراهيم غـيّـر تفكيره ومفاهيمه وغـيـّر تصرفه فوجد نفسه مندفعاً إلى هاتفه يقلب فيه بحثاً عن رسالة إبراهيم؛ فتح الهاتف والأفكار تهدر برأسه متسائلة عما كان يريد إبراهيم أن يخبره به قبل أن يفارق الحياة؛ والأمنيات تبكي في قلبه راجيةً ألاّ يكون لهذه الرسالة علاقة بموته.</p><p class=”ql-align-justify”>أخيراً توصل لتلك الرسالة.</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> [دكتور هاني أرجو أن تهتم بهذه الرسالة؛ صديقك الدكتور حاتم في خطر وقد تواصل معي منذ قليل وأبلغني بأسرار خطيرة، وفي البداية أطلب منك ألا تحاول التواصل معي ولا مع حاتم نهائياً؛ لقد أبلغني حاتم بأنه توصل إلى أن المهندس خالد عبد الرازق الذي اختفى منذ شهور قد اختفى في شاليه على شكل هرم في مطروح وأن هذا له علاقة بكريم سامي رجل الأعمال وبمنظمة سرية غامضة.</p><p class=”ql-align-justify”>سأغادر إلى هذا الشاليه الليلة فإن لم أعـد فهذا دليل أكيد على صحة كلام حاتم، أرجو أن تقرأ رسالتي باهتمام].</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p class=”ql-align-justify”>قرأ الدكتور هاني عبد الرحمن الرسالة والحزن يسيطر عليه، اعتصر كمداً ولام نفسه كثيراً على تجاهله لها من قبل، وتمنى لو أنه قرأها في وقتها فربما منع وفاة إبراهيم، وربما أنقذ حاتم، ولكن أين حاتم؟</p><p class=”ql-align-justify”>اضطر أن يدلف إلى مواقع التفاعل الاجتماعي التي عزل نفسه عنها كثيراً حتى أصبح كرجلٍ يعيش في كهف منعزل؛ أحس وهو يفتح أحد هذه المواقع بعد انقطاعه سنوات كأنه طفل بلا أحمال ولا أثقال ولا هموم ولا صراعات واقتحم فجأة حلبة مصارعة فوجد الجميع يلكم الجميع والكل يسب الكل والجدال محتدم على أتفه الأشياء وكأنها أمور مصيرية؛ حدّث نفسه أنه لولا حاجته إلى هذه المواقع الآن لما دخلها وآثـر أن يحافظ على سلامته النفسية؛ دخلها مضطرا فوجد عالما مُمْرِضاً كأنه مفروض على الناس برغبتهم وإرادتهم أو كأن الناس قد دُفِعت دفعاً إلى الاندماج فيه.</p><p class=”ql-align-justify”>بحث عن اسم صديقه حاتم فوجد المواقع تعجّ باسمه وتضج بأخباره؛ يتجادلون حول اختفائه الغامض وأسبابه؛ أحس بأن لهذه المواقع بعض الفائدة أيضاً، وجد الناس منقسمين وحدّث نفسه بأنه آخر من يعلم.</p><p class=”ql-align-justify”>لم يجد أحداً يتكلم عن السبب الحقيقي لاختفاء حاتم حتى الآن، ولم يجد أحداً يهتم بمقتل إبراهيم وأصدقائه فقط خبر عابر، لم يجد أحداً يربط بين إبراهيم وحاتم بالأساس؛ تعجب عندما قرأ خبراً قديماً في هذه المواقع عن ظهور خالد عبد الرازق، ساورته الشكوك حول صحة الرسالة التي وصلته من إبراهيم، ولكن هذه الشكوك تبددت فور تذكره مقتل إبراهيم بالفعل، أخذ يُلقي باللوم على مواقع التواصل التي نشرت التشكيك في كل شيء، وتذكر كيف أن هذه المواقع كانت هي السبب الذي جعله يعتزل الجميع، بما فيها هذه المواقع، لما وجد نفسه غير قادر على الإنتاج نتيجة تزاحم الأفكار في رأسه، أفكار أغلبها سلبي، واهتمامات تفرض عليه أغلبها لا يعنيه في شيء؛ قرر وقتها منذ سنوات أن يتفرغ لعمله في الجامعة وفقط، قرر أن يدرس للطلاب الفيزياء التي يتقنها وحسب، وأن يحاول إجراء أبحاثه ونظرياته في صمت.</p><p class=”ql-align-justify”>رغم علمه بالمكان الذي اختفى فيه حاتم إلا أنه كاد يشك في أن الذين تبنوا وسماً يقول إن حاتم يستجم وينعزل عن هذا الصخب على حق؛ ففي ظل ضوضاء التواصل الاجتماعي هذه ربما فضّل ألا يصطحب معه في رحلته أية هواتف أو أجهزة يمكنه أن يدلف منها إلى هذه المواقع.</p><p class=”ql-align-justify”>حدثته نفسه بأنه الآن أصبح هو الشخص الوحيد تقريباً الذي يعلم أين هو حاتم ولماذا قتل إبراهيم وأين اختفى خالد.</p><p class=”ql-align-justify”>الآن هو الشخص الوحيد ربما الذي يعلم الحقيقة.</p><p class=”ql-align-justify”>ولكن كيف يتصرف وكيف يواجه هذا الأمر؟ هل يؤثر سلامته الشخصية أم يخرج من عزلته وينغمس في هذه المعركة التي فرضت عليه؟</p><p class=”ql-align-justify”>أدرك أنه لم يعد مخيراً في أن يخوض المعركة من عدمه؛ لا جدوى لحياته إن اختبأ ولم يواجه؛ لا جدوى لحياته إن لم ينقذ حاتم ويعيد حق إبراهيم وأصدقائه وخالد وزوجته وأبنائه؛ إن استطاع أن يفعل.</p><p class=”ql-align-justify”>فكر فيمن يمكنه الاستعانة به فلم يهده تفكيره إلا إلى صديقه الدكتور حامد عبد العليم أستاذ أصول الدين فهو الوحيد الذي يمكنه أن يثق فيه.</p><p class=”ql-align-justify”>اتصل به على الفور فتبادلا عبارات الترحم على إبراهيم؛ واتفق معه على أن يلتقيا بعد ساعتين في شقته لأمر هام لم يُـبِـنْـهُ له. </p><p><em>«نتعامل بحكمة؟! ماذا تقصد يا دكتور حامد؟».</em></p><p><em>«أقصد أننا لابد أن نضع خطة ما».</em></p><p><em>«وما هي هذه الخطة من وجهة نظرك؟».</em></p><p><em>«في رأيي فإن أول خطوة فيها يجب أن تعتمد على قدرات الخصم؛ والخصم ليس شخصاً واحداً وليس سهل المنال على الإطلاق؛ وبالتالي لابد من الاستعانة بالأجهزة الأمنية لمجابهته».</em></p><p><em>«وماذا سنقول لهم ونحن لا نملك أي دليل؟».</em></p><p><em>«أعرف ولكن أي تحرك من جانبنا بدون غطاء أمني سيكلفنا الكثير، وأقل خسارة ممكن أن نتكبدها هي أن نفقد حياتنا فقط أنا وأنت؛ تخيل هذا! فما بالك بما يمكن أن يصيب عائلاتنا؟! هذه المنظمة أخطر من كل التنظيمات الإرهابية التي اندثرت والتي تخلصنا منها تماماً قبل شهور؛ إنها الإرهاب الخفيّ في ثوبه الجديد».</em></p><p><em>«أخشى أنّ كلامك هذا يعني أنك تريد أن نتراجع؛ وأخشى أننا لن نستطيع فعل شيء؛ هذه المواجهة أكبر منّا بالفعل والدليل أنه لا أحد من الذين اصطدموا بهذه المنظمة قد نجا؛ أين حاتم وأين خالد وأين إبراهيم؟ و يا ترى من غيرهم؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”><em>«دكتور هاني! دعنا نتفق على أننا لن نترك هذه المعركة مهما كان الثمن ولكننا سنخوضها بحرص؛ ودعنا نتفق على أن تحديد الخطوة الأولى ضروري؛ وأرجو ألا نقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه من سبقونا؛ وعلى العموم يمكننا أن نتحرك بعض التحركات المبدئية”.</em></p><p class=”ql-align-justify”><em>«مثل ماذا؟»</em></p><p><br></p><p> <strong> [السبت 12/8/2023م]</strong></p><p><strong>الساعة 12.00ص تم إنشاء صفحة جديدة على أحد مواقع التفاعل الاجتماعي.</strong></p><p><strong>(صفحة لغز اختفاء الدكتور حاتم سليم).</strong></p><p><strong> (المنشور الأول)</strong></p><p><strong>12.00 ص</strong></p><p><strong>الغامض بالنسبة للناس واضحٌ بالنسبة لي؛ حتى أن بعض المنظمات التي تعمل في الظلام مرئية بالنسبة لي؛ أراهم ولا يرونني؛ والآن أصبح من حقهم رؤيتي. </strong></p><p><strong>… المجهول…</strong></p><p><strong>(المنشور الثاني)</strong></p><p><strong>12.5ص</strong></p><p><strong>علاقة بعض المنظمات السرية ذات الأغراض الخبيثة باختفاء الدكتور حاتم. </strong></p><p><strong>… المجهول…</strong></p><p><strong> (المنشور الثالث)</strong></p><p><strong>12.10ص</strong></p><p><strong>رجل أعمال معروف متورط في الأمر.</strong></p><p><strong>… المجهول…</strong></p><p><strong>(المنشور الرابع)</strong></p><p><strong>12.15ص</strong></p><p><strong>كريم سامي … المجهول…</strong></p><p class=”ql-align-justify”>** بلغ عدد التعليقات الألف تعليق في غضون الخمس دقائق الأخيرة، والتقط جميع المتابعين اسم كريم سامي ليطلبوا محاسبته على الفور.</p><p class=”ql-align-justify”>** الساعة 12.30ص تم حذف الصفحة.</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> رغم حذف الصفحة إلا أن المنشورات والتغريدات انتشرت انتشار النار في الهشيم حتى أصبح هذا الموضوع هو الأكثر رواجاً في غضون دقائق ثم اختفى بعدها.</p><p class=”ql-align-justify”>تأمل هاني النتيجة التي حققها فوجدها مرضية؛ لقد استطاع خلال ساعة واحدة أن يربط بين كريم وبين اختفاء حاتم؛ ويبدو أن اقتراحه نجح حتى ولو تم حذف الصفحة فلقد انتشرت الفكرة وهذا كفيل بتحقيق ما يريد.</p><p><br></p>
<h2 class=”ql-align-center”>[2]</h2><p class=”ql-align-justify”>*اتصال هاتفي*</p><p><em>«دكتور هاني عبد الرحمن؟».</em></p><p><em>«………». </em></p><p class=”ql-align-justify”>لم يستطع أن يجيب المتصل بشيء فآثر الصمت؛ خشي أن يكون قد اقترب أوان التخلص منه.</p><p><em>«لا تقلق يا دكتور؛ مع حضرتك العقيد صابر».</em></p><p><em>«أهلا وسهلاً بحضرتك».</em></p><p><em>«أنت في أمان؛ وفي غضون دقائق ستنتقل إليك قوة حماية؛ سترافقك حتى تلتقي بي؛ وسيتم تعيين حراسة على عائلتك».</em></p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> **اتصال هاتفي**</p><p><em>«تخلص من حاتم على الفور.. هل تفهمني؟». </em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها كـــريم محتداً.</p><p><em>«حالاً».</em></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> ظلّ حامد يراقب الشاليه من مكانٍ خفيّ حتى تراءى له شخص يخرج من الشاليه مسرعاً فانطلق ناحيته واشتبك معه وتبادلا لكمات سريعة، كاد حامد أن ينتصر ويتمكن من الإمساك بهذا الشخص الغامض الملثم لولا أن هذا الغامض قد ضغط زر جهاز صغير في يده فسقط حامد. </p><p>***</p><p><br></p><p> <em>«لقد اتفقنا على أن يسافر حامد إلى مطروح ويبحث عن الشاليه وأن يبلغني فور وصوله لأقوم بنشر المعلومات؛ وإذا لاحظ أية تحركات غريبة بعد قيامي بالنشر سيقوم على الفور بالاتصال بالنجدة». </em></p><p class=”ql-align-justify”>توقف الدكتور هاني قليلا وبعد برهة تفكير أضاف متسائلاً:</p><p><em>«ولكن كيف توصلتم إليّ؟».</em></p><p><em>«بناءً على اتصال الدكتور حامد بالنجدة؛ ولكن لماذا لم تتصلا بالنجدة مباشرة؟».</em></p><p><em>«للأسف لم يكن لدينا دليل».</em></p><p><em>«ربـمـــا لـــو أســــرعتم بإبلاغنــا لتمكنّا مـــن الوصــــول إلى كــــــــريـم قـبـلهم».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها العقيد صابر بنبرة معاتبة؛ ولكن الدكتور هاني لم يفهم شيئاً من ذلك أو بالأدق لم يكن منتبهاً للكلام جيداً؛ إنما كان مشغولا بالتفكير في مصير صديقه حامد فتساءل متلهفاً: </p><p><em>«ولكن هل حدث مكروه للدكتور حامد؟».</em></p><p><em>«لا تقلق بشأن الدكتور حامد هو بخير فقط بعض الكدمات ويمكنك زيارته في المستشفى».</em></p><p class=”ql-align-justify”>هـمّ هاني بالانصراف ثم توقف فجأة واستدار متسائلاً:</p><p><em>«ولكن ماذا عن حاتم؟ أين هو الآن؟». </em></p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p> <strong>عاجل:</strong></p><p><strong>العثور على رجل الأعمال كريم سامي منتحراً في فيلته في ظروف غامضة.</strong></p><p><strong>2.30ص السبت 12/8/2023.</strong></p><p><strong>وردت أنباء عاجلة تفيد بالعثور على رجل الأعمال المعروف كريم ٍسامي منتحراً في فيلته؛ ولم يتم كشف ملابسات الواقعة بعد.</strong></p><p><strong>يذكر أن اسم كريم سامي قد تردد في الليلة الماضية وارتبط باختفاء الدكتور حاتم سليم.</strong></p><p><strong>[جريدة الخبر2023م]</strong></p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> **اتصال هاتفي**</p><p><em>«تخلصتُ منه!».</em></p><p><em>«أحسنت يجب أن تستمر المنظمة بأي ثمن؛ أنت المسؤول أمامي من اليوم؛ الحفاظ على سرية المنظمة له الأولوية؛ لا تكرر أخطاء كريم؛ ولكن ماذا فعلت بحاتم؟».</em></p><p><em>«أعدت كل شيء لطبيعته؛ وأعدتهما للشاليه مرةً أخرى؛ وتركتهما غائبين عن الوعي؛ ومرّ كل شيء بسلام لولا أن شخصاً غريباً حاول الامساك بي وأنا أخرج من الشاليه فصعقته بجهازٍ مُخدر وهربت من المكان».</em></p><p><em>«هل تعرف عليك؟».</em></p><p><em>«لا؛ كنت ملثماً؛ ولكن لماذا تركنا حاتم وزوجته؟ وماذا عن المعلومات التي توصلا إليها؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قهقه وهو يجيبه: </p><p><em>«المعلومات! المعلومات التي لديهما كلها عن كريم وفقط وها هو كريم قد حمل كل هذه الأخطاء وانتهى على يديك، ولا أحد يعرف عن منظمتنا شيئاً حتى الآن فقط منظمة سرية، ولكن ما هي؟ لا أحد يعرف».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ثم تغير صوتُه ليكون جدياً وهو يضيف مشدداً:</p><p><em>«ولكن لابد أن تتعامل بحذر وتسعى فقط لتحقيق أهداف المنظمة ولا تبحث عن مجدٍ شخصي لنفسك حتى لا تلقى المصير نفسه، واترك مجموعة شركات النجم المضيء لأنها انتهت وأصبحت مكشوفة ولم تعد آمنة؛ فقط انتظر منا الاوامر الجديدة وستتلقى المبالغ اللازمة لتكوين مجموعة أخرى تستطيع التحرك من خلالها؛ واستعد لتظهر بشخصية جديدة تماماً وانا متأكد أنك ستتقنها مثلما أتقنت شخصية خالد عبد الرازق تلك الشخصية التي آن لها أن تختفي».</em></p><p><br></p>
<p class=”ql-align-justify”>دعته هالة بصوتها الهادئ المفعم بالحياة والأمل؛ ولكنه لم يستجب؛ كررت نداءها حتى بدت كأنها تصرخ:</p><p><em>«حاتم!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>انتفض مفزوعاً ونهض وركض عدة خطوات للأمام كأنه يواجه خطراً ما، قبل أن يقف في منتصف الصالة ويستدير لها متسائلاً وهو يلهث:</p><p><em>«ماذا بك؟ لماذا تصرخين؟».</em></p><p><em>«بل ماذا بك أنت؟ لقد تركتك دقائق لإعداد الطعام وجئت لأجدك تهذي في نومك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>اتسعت حدقتا عينيه على مصراعيهما وهو يستمع لها، وفغر فاه ولم يستطع أن ينطق لبضع لحظات ثم هوى جالساً على الأنتريه وهو يغمغم:</p><p><em>«هل مازلنا محتجزين في الشاليه؟».</em></p><p><em>«يبدو أنك لن تستطيع تجاوز هذه الأزمة بسهولة؛ ألم أقل لك إن ما تعرضنا له كان صدمة شديدة ومن الطبيعي أن نعاني من كرب ما بعد الصدمة ومن الأفضل أن تتناول مثلي علاجاً دوائياً له».</em></p><p class=”ql-align-justify”>رمقها بنظرةٍ يائسةٍ فنهضت محاولة تبديد هذا الجو الملبد بالاكتئاب ودعته إلى تناول الطعام فوقف ببطء وتحرك تجاه طاولة الطعام بخطوات مثقلة؛ ثم أرغم نفسه على تناول القليل من الطعام.</p><p><em>«لقد اتصل الدكتور حامد والدكتور هاني كثيرا؛ يريدان الاطمئنان عليك؛ ألا تريد أن تطمئنهما؟».</em></p><p><em>«سأفعل».</em></p><p class=”ql-align-justify”>قالها بطريقة تدل على أنه لن يفعل؛ ثم نهض وتحرك تجاه المطبخ ليعد فنجان قهوته المعتاد الذي لم يتخل عن إعداده لنفسه حتى وهو في حالة اكتئاب شديد؛ طلبت منه هالة أن يعد لها فنجاناً معه.</p><p class=”ql-align-justify”>مــرّ بكل الصور المعلقة على الحائط وهو يتسلم الجوائز وقف أمامها يتأملها محاولاً استلهام أية بارقة أمل منها تعينه على الأزمة التي يمر بها.</p><p class=”ql-align-justify”>عاد حاملاً فنجانين ملأهما بالأمل والرغبة في التعافي؛ توجه تجاه هالة فلم يجدها في الصالة ولم يجد الطعام على الطاولة؛ وضع الفنجانين من يده وبدأ ينادي عليها فلم تجبه.. أخذ يجوب الشقة بحثاً عنها.</p><p><em>«أين ذهبت؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>بدت كل علامات الدهشة والحيرة على وجهه وهو يقلب الشقة رأساً على عقب دون أن ينطق بكلمة؛ لم يجدها في أي مكان.</p><p class=”ql-align-justify”>ارتجّ جسده من الصدمة.</p><p class=”ql-align-justify”>تضاربت انفعالاته ما بين الحزن والسخرية من نفسه.</p><p><em>«لقد كانت هنا للتو؛ ماذا جرى؟ لقد شخصني الأطباء على أنني أعاني من اكتئاب نتيجة ما حدث معي في الشاليه، لم يقل أحد منهم إنني أعاني من هلاوس من أي نوع».</em></p><p class=”ql-align-justify”>كرر كلمة «هلاوس» أكثر من مرة وهو يتأملها وينظر للفراغ؛ هلاوس سمعية هلاوس بصرية هلاوس حسية.</p><p><em>«الخروج».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ترددت هذه الكلمة في الشقة كلها بصوت يعرفه جيداً؛ إنه صوت الفتاة الآلي ذلك الذي سمعه في الشاليه والسيارة من قبل؛ تساءل في نفسه:</p><p><em>«كيف جاء هذا الصوت إلى هنا؟! وما هذا الذي تقوله؟!».</em></p><p class=”ql-align-justify”>بدأ الصوت الآلي يتكلم بجمل متتابعة وكأنّه يصدر له تعليمات.</p><p><em>«حان وقت المغادرة».</em></p><p><em>«طريق الخروج على يمينك مباشرة».</em></p><p><em>«بعد أن تدخل الغرفة القادمة توقف قليلاً للإجابة عن بعض الأسئلة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>اتبع هذا الصوت الآلي بدون معارضة؛ وكأن إرادته قد سلبت منه تماماً أو أنه اختار أن يطيعه من باب الفضول.</p><p class=”ql-align-justify”>دخل الغرفة التي وجهه إليها ذلك الصوت؛ لم يجدها غرفة بالمعنى الدقيق للكلمة؛ إنما هي أشبه بأنبوب ضخم جدرانه مضيئة بضوء أبيض لامع، وعليها علامات كعلامات أنبوب الاختبار؛ وبابها دائري ضخم.</p><p class=”ql-align-justify”>وقف مشدوهاً بما يرى مترقبا ما بعد ذلك؛ رأى في نهاية الغرفة باباً آخر فتوجه تلقاءه.</p><p class=”ql-align-justify”>ففوجئ به يصطبغ باللون الأحمر تارةً وباللون البرتقالي أخرى، ويتحول بين اللونين بتتابع، وفجأة برز في وسط الباب نجم مضيء يتعاظم ضوؤه الأبيض اللامع تدريجياً حتى شغل مساحة الباب كاملة، ثم ظهرت في الأعلى أحرف تكتب واحدة تلو الأخرى بلون ذهبي حتى تكوّن أمام عينيه سؤال كامل، وأدناه بدأت تتشكل إجابة أولى حرفاً فحرفاً كذلك باللون البرتقالي، والإجابة الثانية باللون الأحمر.</p><p>هل تعتقد أن كل ما حدث لك هنا</p><p>محض مُصادفة أم أن هناك من دبـّـر كل هذا ورتبه؟</p><p>= الأولى: كُلُّ هَذَا مَحْضُّ مُصَادَفَة.</p><p>= الثانية: كُـــلُّ شَـــيٍء مصممٌ بدقة فائقة.</p><p class=”ql-align-justify”>اختار الإجابة الثانية ذات اللون الأحمر، ضغط عليها بإبهامه، فبرز له من الجانب الأيمن تمثالٌ صغيرٌ على شكل هرمٍ ذهبي أعلاه رأس أسد وقاعدته فأر والمنطقة الواصلة بين القاعدة والرأس ملتوية كثعبان، التقطه فانفتح الباب تلقائياً؛ نظر للأعلى فوجد مكتوباً «بوابة الخلق».</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> خرج من الباب ليتفاجأ بجموعٍ كبيرة من الصحفيين ومراسلي القنوات التلفزيونية ومندوبي وسائل الإعلام المختلفة تغطي الحدث، أدرك ما يجري للمرة الأولى؛ تذكر كل شيء.</p><p>«إنّــهُ هو الـمـجـرّبُ الأوّل».</p><p class=”ql-align-center”>***</p><p class=”ql-align-justify”>أومضت بذاكرته مشاهد متتابعة وهو يقف مأخوذاً ينظر للحاضرين، تذكّر الإرهاصات الأولى للمشروع، وكيف عكف عليه طيلة ثلاث سنوات.</p><p class=”ql-align-justify”>تذكر كيف خطّ فكرة المشروع الأولى في مفكرة صغيرة قديمة ملازمة له منذ الطفولة حتى من قبل أن يلتحق «بكلية الهندسة» ويدرس البرمجة، تلك المفكرة التي لم يكتب فيها أية فكرة من قبل، ولكن يبدو أنه احتفظ بها لهذا اليوم فحسب.</p><p class=”ql-align-justify”>تذكّر ما كتبه حينها، لقد بدأ بكلمات مبعثرة لكنها جمعت كل أفكاره.</p><p class=”ql-align-center”>[مشروع برمجي]</p><p class=”ql-align-justify”>شاليه مزار سياحي ملحد</p><p>تصميم ذكي الخالق</p><p>من لا شيء مصادفة</p><p class=”ql-align-center”>***</p><p class=”ql-align-justify”> </p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> ثم أومضت في ذاكرته تفاصيل المشروع والأسباب التي دفعته إلى التفكير فيه.</p><p class=”ql-align-justify”>«أنا ملحد؛ لا أعتقد بوجود خالق لي ولا لهذا الكون، ولكنني لن أنتظر حتى أموت لأتأكد إن كنت على حق أم أن هناك خالقاً بالفعل، سأعرف الآن؛ سأنشئ مشروعاً مبرمجاً برمجة دقيقة، ومصمماً بطريقة ذكية.</p><p class=”ql-align-justify”>فكرته تعتمد على عزل الشخص الذي سيخوض التجربة عن العالم الخارجي وحبسه بمفرده داخل المشروع؛ ثمّ تلقي الإشارات من عقله، وتحويلها إلى واقعٍ يعيشه؛ أي سيتم برمجة النظام على أن يقوم بترجمة انفعالات الشخص ومخاوفه وأفكاره ومعتقداته ورغباته إلى واقع حقيقي، ومنحه حرية الحركة في المكان بكامله، دون أن يتم تقييده ولا توصيله بأية أجهزة، فالمكان كله سيجهز ليكون جهازاً ضخماً، و دون أن يكون له حرية الخروج أو إنهاء التجربة بإرادته؛ إنه لن يتذكر بالأساس أنه في تجربة، فكل شيء سيكون حقيقياً، وحتى يتم تخفيف الأمر على المجرّب قليلاً ومنحه بعض المتعة سيتم تصميم المشروع ليجد نفسه بمجرد أن يدخل ويندمج فيه قد أصبح شخصية أخرى وربما في مكان محبب إليه، وستتكفل برمجة المشروع بإقناعه بأنه هو ذلك الشخص وكذلك ستقنعه بسبب وجوده في هذا المكان؛ وبمجرد أن تطأ قدمه داخل المشروع لن يتذكر أنه داخل المشروع الكبير الذي تبدو واجهته كواجهة أحد المتاحف القديمة.</p><p class=”ql-align-justify”>والغرض من هذا أن يقضي المجرب عدة دقائق يخرج بعدها متيقناً من أحد أمرين إما أنّ هذا الذي يحدث هو مصادفة محضة، أو أن هناك من قام بترتيب كل هذا وإعداده، و سيكون المشروع قابلاً للاستخدام من أي أحدٍ من المؤمنين أو الملحدين على السواء.</p><p class=”ql-align-justify”>ولكن عليه أن يكتب رأيه في النهاية.</p><p class=”ql-align-justify”>وسأحاول أن أتحلى ببعض الشجاعة لأكون أول من يجرب هذا المشروع وأول من يكتب رأيه».</p><p class=”ql-align-center”>***</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> أومضت بذاكرته صور متتابعة للمراحل التي استغرقها هذا المشروع ليخرج للنور؛ تذكر كيف أنه جعل المكان نفسه معزولاً بدقة عن العالم الخارجي؛ وبمجرد أن يدخل المجرب في التجربة يبدأ الجهاز في العمل، ولكنه لن يعرض له فيلما يشاهده، لا بل ستكون الأحداث بالنسبة للمجرب حقيقية أكثر من الحقيقة ذاتها، وستكون تحركات المجرب محسوبة بدقة بحيث لا يمكن أن ينتج عنها أي ضرر به.</p><p class=”ql-align-justify”>ولقد تم تصميم الجهاز ليستخلص من عقل المجرب أفكاره ورغباته وكل شيء يدور في ذهنه ليترجمه إلى واقع، على أن يتكفل الجهاز بإنشاء قصة تلائم هذه الطموحات والرغبات، وقبل الدخول إلى الجهاز أو المشروع تكون هناك عدة بوابات، ويكون على المجرب أن يختار واحدة من هذه البوابات.</p><p class=”ql-align-justify”>فكرة المشروع تنصب كاملة على العلاقة بين الإيمان والإلحاد، وكل البوابات متعلقة بهذا الشأن تقريبا، وكل بوابة تحمل اسماً يدل على ما وراءها، وعلى كل مجرب أن يختار البوابة من البداية، ولقد اختار حاتم بوابة «الخلق»، وما زالت هناك بوابات عديدة، والمجرب دائما يختار أكثر موضوع يشغل باله.</p><p class=”ql-align-justify”>عند مدخل المشروع وبعد أن تتخطى حاجز الباب الرئيسي تجد أمامك شاشة كبيرة خلفيتها باللون البرتقالي والكلمات مكتوبة عليها بالأحمر القاني.</p><p class=”ql-align-justify”>تظهر أمامك أسماء البوابات واحدة تلو الأخرى؛ وبمجرد أن تضغط على اسم واحدة منها تنفتح أمامك، وبمجرد أن تضع قدماً داخل الممر الخاص بهذه البوابة تنفصل تماما عن الواقع الخارجي، وتندمج تماما داخل ما قمت باختياره.</p><p class=”ql-align-justify”>ولقد تمت تغذية كل بوابة بمعلومات كثيرة عن الموضوع الذي صممت لأجله هذه البوابة وما وراءها، وتتعدد أسماء هذه البوابات؛ ما بين «الخلق»، «القدر»، «الإله»، «الحياة بعد الموت»، وهكذا العديد من البوابات، وكل بوابة تُغذّى بالأفكار المتناقضة المختلفة حول فكرتها من المؤيد والمعارض، وتتكفل برمجة المشروع بإعادة ترتيب هذه الأفكار ودمجها مع أفكار المجرب وخبراته؛ لتصوغ له واقعاً متكاملاً لا يستطيع أن يميز بينه وبين واقعه الحقيقي؛ ولا يستطيع كذلك أن يدرك أن كل ما يجري معه؛ إنما هو عبارة عن ترجمة عملية لأفكاره ومعتقداته ورغباته وما يتصل منها بفكرة البوابة التي اختارها حتى أن بعض الأشخاص الذين يظهرون له حقيقيون يعرفهم في واقعه الفعلي وبعضهم من اختراع الجهاز نفسه تلبية لعرض فكرة أو إنشاء حدث. </p><p class=”ql-align-justify”>المشروع تم تصميمه من الناحية الفنية وتمت برمجته وكتابة كل الاحتمالات الممكنة، وما يترتب عليها من فعل أو رد فعل، كل شيء محسوب بدقة، لقد استغرق الأمر من حاتم ومن فريق العمل الذي شاركه أكثر من ثلاث سنوات من العمل اليومي لمدة لا تقل عن ستة عشر ساعة في اليوم، ولكنهم كانوا يعملون بشغف وتلهف، فكلهم يمسه هذا المشروع من قريب أو من بعيد؛ ففضلا عن أنها وظيفتهم فقد أحسوا أن هذا المشروع جزء منهم، كلهم منهم المؤمن والملحد، المتيقن والمرتاب، كلهم يعمل وينتظر ليجرب في يوم من الأيام البوابة التي تشغل تفكيره طيلة الوقت؛ تم تصميم بوابة الخلق لتجيب على سؤال جوهري: هل يمكن أن ينتج شيء من لا شيء؟ أم أن الخالق هو من أنشأ كل شيء؟ وُضعت كل الاحتمالات في الحسبان عند إعداد هذه البوابة؛ الآراء، الأفكار، المعتقدات، الخبرات، وصيغت بعض الأسئلة في هيئة حدث، وبعضها في هيئة حادث، وبعضها حوار، وهكذا؛ ولكن كلما تغير المجرب ستتغير الأحداث وستتغير الأشخاص، وستتغير الأفكار التي تستخرج من عقل هذا المجرب، وما إذا كان ملحداً أم مؤمناً ولكن تظل الأفكار الرئيسية ثابتة.</p><p class=”ql-align-justify”>ولا يعطيك هذا المشروع الفرصة لتغادره ثم تبدي رأيك وإنما لا بد أن تختار الإجابة على التساؤل المعد سلفاً لكل بوابة على حدتها قبل أن تخرج؛ وبوابة الخلق طرحت التساؤل واختار حاتم الإجابة التي وصلت إليه واقتنع بها مما جرى معه، على الرغم من أنه دخلها عكس ذلك تماماً، وبعد أن خرج سأل نفسه: هل كل من يمر بهذه التجربة سيبقى على قناعته؟</p><p class=”ql-align-justify”>وحينها ابتسم حاتم لأنه كان صاحب فكرة أن تكون إجابة السؤال هي السبب في خروج المجرب من المشروع، وألا يتركه ليجيب عليه بعد أن يخرج، حتى يحصل منه على الإجابة النقية غير المتأثرة بالأهواء الشخصية أو الدوافع أو العلاقات.. وقد نجح في ذلك تماما وهو أول المجربين والذي أرغمه مشروعه على الاعتراف بخطأ أفكاره.</p><p class=”ql-align-justify”>مكتوب على باب المشروع دخول، بعد أن يدخل من باب المشروع، ويدخل البوابة التي اختارها، تغلق البوابة من خلفه، ويمشي عدة خطوات في ممر لا يتعدى الثلاث مترات وشكله على شكل أنبوب الاختبار؛ هو ذاته تماماً بعلاماته ومؤشراته، ويخفت الضوء تماماً حتي ليبدو كأنه في لحظة بين النور والظلام، انتهاء الليل وانفلاق الصبح، يرى جيدا ولكنه لا يرى شيئاً، يتحرك تلقائيا تجاه نهاية الممر القصير ليمر عبر باب دائري، يجد نفسه وقد انتقل إلى قاعة فسيحة، وعندها…يحدث كل شيء.</p><p class=”ql-align-justify”>واقع جديد مختلف تماماً عن واقعه ولكنه مرآة عاكسة لهذا الواقع؛ فالإنسان قد يغفل عن بعض الأشياء في نفسه وقد لا يستطيع رؤية نفسه بوضوح ولكن عندما ينظر للمرآة فإن كل شيء يصبح أكثر وضوحاً بالنسبة له.</p><p><br></p><p class=”ql-align-justify”> أومضت كل هذه الأفكار بعقل «المهندس حاتم سليم!» واستعاد ذكرياته وهو ما يزال واقفاً ينظر لعدسات المصورين الذين يلتقطون صوراً له وللمشروع من خلفه والذي لم تخلُ واجهته من الإبهار والغرابة في الوقت نفسه؛ لا سيما تلك التماثيل المنحوتة عليه، وبالأخص ذلك الأسد الذهبي القابع فوق باب المشروع، وهذه اللافتة المعلقة «المشروع الكبير»، والتي تضيء حروفها باللون البرتقالي والأحمر بالتبادل، ويبدو الأسد الذهبي واقفا فوقها في شموخ، وذيله معانقٌ لذيل الثعبان، الذي ينزل ملتويا من منتصف اللافتة يتخلل حروفها، حتى إذا وصل قاعدتها، بــدا فمه قابضاً على فأرٍ مذعورٍ يوشك أن يلوذ بالفرار.</p><p class=”ql-align-justify”>وقف أمام جموع الحاضرين ينظر إليهم ممتلئاً بالبهجة؛ أيقن أن مشروعه قد نجح، وأن التمويل الضخم الذي أنفقه عليه لم يضع هباءً، سواء من ماله الخاص أو أصدقائه من رجال الأعمال الذين اقتنعوا بفكرته وقرروا الاستثمار فيها.</p><p class=”ql-align-justify”>ابتسم حاتم لمّا تذكر بعض ما جرى معه داخل التجربة، وكيف أن المشروع التقط أفكاره التي كانت تتصارع داخله وجعلها واقعاً بالنسبة له، فبداخله تعيش شخصيات كثيرة تشبه إلى حد كبير كل الذين رآهم في داخل التجربة، وربما كان هو كل هؤلاء في وقت واحد فقام الجهاز فقط بتجسيد أفكاره فيهم، وبترجمة الحوار الحقيقي الذي يدور بداخله على ألسنتهم.</p><p class=”ql-align-justify”>تهافت ممثلو وسائل الإعلام عليه وهو يتحرك بينهم. أسئلة كثيرة.</p><p><em>«ماذا حدث؟ هل نجح المشروع؟ هل ما زلت ملحداً أم غـيـّـر المشروع قناعاتك؟ ما هي الخطوة القادمة؟ هل أصبح المشروع جاهزا لاستخدام الجميع؟».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أجابهم بهدوء وثقة:</p><p><em>«نعم نجح تماماً وكل شيء على ما يرام وبات جاهزاً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>جعل يتنقل بينهم والأسئلة تنهال عليه.</p><p><em>«هل يمكن أن يتاح هذا المشروع كتطبيق على الهواتف الذكية يوماً ما؟».</em></p><p><em>«سأعمل على هذا».</em></p><p><em>«لقد علمنا أن المشروع مقسم إلى بوابات فيا ترى ما هي البوابة التي اخترتها وماذا كانت النتيجة؟».</em></p><p><em>«اخترت بوابة الخلق والنتيجة أنني تيقنت تماماً أن لهذا الكون خالقاً؛ وأنه لا شيء من لا شيء؛ فإذا كان ما حدث معي بالداخل وراءه مصمم؛ وهو بالطبع شبيه بحياة الإنسان الحقيقية؛ فإن حياة الإنسان الحقيقية نفسها بدون شك وراءها مصمم كذلك».</em></p><p class=”ql-align-justify”>أجابهم ومضى يشقُّ طريقه بين الأجسام المتلاحمة فقابل صديقه «إبراهيم طارق» الصحفي الشهير الذي هنّأه وطلب منه حواراً صحفياً فوعده حاتم بأنّ أول حوارٍ سيكون حصرياً معه.</p><p class=”ql-align-justify”>ثم انطلق يبحث بين الواقفين عن «هالة» إلى أن وجدها فقابلته مبتسمةً وهنأته فقال لها بنبرةٍ حالمة:</p><p><em>«هل تعلمين؟! لقد كنتِ معي في كل لحظة».</em></p><p class=”ql-align-justify”>ازدادت ابتسامتها إشراقاً واحمرت وجنتاها خجلاً وهي تقول بصوتٍ حنون:</p><p><em>«سأكون معكَ دوماً».</em></p><p class=”ql-align-justify”>تلقّف هذه الكلمة بسرعة بمجرد أن خرجت من فمها كأنه لا يريد أن يفلتها، ونـدّت منه تنهيدة ارتياح كمن بلغ غايته وهو يقول:</p><p><em>«الآن يمكننا تحديد موعد زواجنا».</em></p>
